قوله : ( وإذا لم يروا مكاني ، فأحرى أن يروني ) يريد به أنه متى انتفى المكان المنوط بالتقييد ، فأولى أن يظهر اللّه تعالى لأنه لابد للبصر من مستند في حال وجوده ، فإذا لم يشهد البصر شيئا مقيدا ، وحيث أن يشهد البصيرة شيئا مطلقا والبصيرة هي عين القلب ، فإذا لم يشهد الناظر شيئا مقيدا ظاهرا انعكس إلى باطن ، وقام في معونة البصيرة ، فشهدت مطلقا خافيا ، إذ اللّه من حيث حقيقته المطلقة لا يشهد بالعين الظاهرة ، فإن شوهد فيها كان مقيدا ، فإذا انتفت الصورة المقيدة عن العارف في نظر العاكفين عليه انعكست الأبصار على البصائر ، وشوهد إطلاقه الذي هو حقيقته .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : هذا ثوبي سر به إليهم ، فمن لبسه فهو مني وأنا منه ، ومن لم يلبسه ، فليس مني ولست منه ) ] .
( ش ) أقول : يريد بهذا الخطاب التنبيه على أن صورة العارف هي ظاهرا للّه وأمر بإظهارها إلى الظاهرين على سبيل الابتلاء ، فكأنه قال له : ( أنت صورتي فاظهر بها إليهم ) .
وقوله : ( من لبسه فهو مني ) أي : من يقبل صورة هذا العارف فهو للّه واللّه له فهذا الظهور هو حقيقة الاختبار للمتقبلين ، وهذا مثل قوله تعالى :
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
[ هود : 7 ] .
وقوله : ( ومن لم يلبسه فليس مني ولست منه ) ، هذا هو الحاصل من الامتحان والقصد فيه توقيف هذا العارف وأمثاله عن الحقائق الظاهرة كما أوقف على الحقائق الباطنة ويظهر له الإخلاص من الظاهرين كما ظهر له من عالم الباطن ، فالمخلصون هم السابقون المقربون .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ارم به في النار فإن احترق فهو ثوبي وإن سلم فليس ثوبي ، ثم قال لي : إن احترق فليس ثوبي ، وإن سلم فهو ثوبي ، ثم قال لي : شهد العدم للحيرة أني أنا اللّه لا إله إلا أنا ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب امتحان هذا العارف بإلقاء نفسه الظاهرة في المهالك المؤدية إلى الضرر ، فإن صبر عند هذا الإلقاء ظهر على حقيقة الاتحاد « 1 » الذي بينه وبين الصفات المهلكة وعلم أن نفسه تهلك نفسه فهذا يحصل له عند صبره آن الإلقاء ، ويتيقن أن أحديته ظاهرة على وجوده وأسمائه يقوي بعضها على بعض ، فإن هلك ظاهره الذي
هامش
( 1 ) الاتحاد : تصيير الذاتين واحدة ، ولا يكون إلا في العدد من الاثنين فصاعدا ، وهو حال لا يعول عليه ، فإنه يشاهد كذلك ، ولا يكون له حقيقة فيزول .