تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
قوله : ( ولا تعرّفهم بمكاني ) يريد به ستره المستودع في قلبه له ، فإنه إذا أظهر حقيقة هذا المستودع ظهر محله للعامة ، وربما أفضى إلى الحسد والغيرة والإنكار وغير ذلك ويحصل للنفوس النفور من هذه الصورة التي قيل : إن اللّه مستودع في قلبها ، فمنهم النافر لأجل المألوف من الكذب ، وهذا يقع لمن هو في غاية الجهل ، ولم يؤمن بقوله :
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[ يوسف : 76 ] ، ومنهم النافر على سبيل الرهبة والخوف « 1 » من صورة هذا العارف المعروفة بالمحل ، فالأولى للعارف أن لا يكثر من إظهار هذه الأسرار التي اختصت به دون غيره . وقوله : ( وعرّفهم بمكاني ولا تعرفهم بي ) يريد به ضد ما ذكرناه ، وإخباره على الإعلان بما استودع في قلبه لكن خوفه هناك عن دوام الإظهار ، وأخبره هاهنا على إظهار ما عنده ولو مرة فهو يناقض ما تقدم في الظاهر ، وربما كانت مراده في الباطن ليجمع له بين النقيضين ليتحقق كماله . ( ص ) [ قوله : ( فإذا لازموا مكاني يجدوني ، وإذا وجدوني لم يروا شيئا ، وإذا رأوا شيئا لم يروا مكاني ، وإذا لم يروا مكاني فأحرى أن يروني ) ] . ( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب التنبيه على مجالسة العارف ، فإذا استمرت هذه المجالسة تحققوا هؤلاء أنهم ، فإنه لا حقيقة له ، وقد انتفت عنه الشيئية لفنائه ، وهذه الحقيقة الصورية للّه تعالى ، وهذا مثل قوله : فيما سبق من المشاهد ( من رآك فقد رآني ) ، فإذا تحقق المجالسون حقيقة هذا العارف كما هي تيقنوا أنها للّه تعالى بغير واسطة صورية ، وعرفوا أن رائي صورته ، مثل قوله صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت ربي في أحسن صورة » فيها يكون النزول في الثلث الآخر من الليل ، واللّه سبحانه قد انتفت عنه الشيئية إذ هي منوطة بالتقييد ، واللّه من حيث حقيقته لا يتقيد ، فكأنه يقول : إذا لازموا مكاني لم يروا شيئا إذ الشيء مقيد . قوله : ( وإذا رأوا شيئا لم يروا مكاني ) يريد به أن الملازمين متى حكموا على هذا العارف بالشيئية المنوطة بالتقييد انتفى أن يكون محلا للّه تعالى إذ هو بريء عن التقييد ، فلا يحصره مكان مقيد ، والحاصل من هذا الحكم أن الملازمين للعارف المعبرين إليه لا يسوغ لهم أن يطلقوا عليه الشيئية إذ هي مقيدة كما قلناه ، وهذا مطلق من حين فنائه في الذات ، ومثل هذا قيل له فيما سبق من الكتاب ، فأنت لا شيء .
هامش
( 1 ) الخوف : ما يحذر من المكروه في المستأنف أي : المستقبل ، وجاز أن يتعلق بالماضي حيث يتذكر فواته في سيئات أعماله .