تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
فيكون غيرة الرب بعينها هي غيرة العبد ، لكن قد يكون في اللّه تعالى ظاهرة وفي العبد خافية ، فعند كمال هذا الفاني يريد اللّه يظهرها عليه . فقوله له : ( فغر عليّ ) معناه اتصف بغيرتي ، وهذا مما حصل له قبل الكمال . وقوله : ( واسترني واحجبني ، ولا تظهر في الوجود غيري ) يريد بالستر حجابه عن الجاهل وبالحجاب « 1 » عن مطلق الموجودات إلا للشاهد لأنه منفرد بالمعرفة في عصره ، فلا يظهر اللّه بحقيقته لشيء من الموجودات إلا له إذ هو مخلوق على الصورة وهو بينها وبين الخلق ، فهو يشاهد الصورة بحقيقتها والشاهدون في عصره يشهدونها من حيث اسمها ، فكأنه يقول : له استرني عن الجاهل واحجب حقيقتي بصورتك عن الموجودات هذا في الحقيقة ، وأما في الظاهر هو أن اللّه تعالى مستودع في قلبه بدليل الحديث ، فإذا ثبت هذا الحكم كان جثمانه حجابا بين اللّه وخلقه ، وأما قوله : ( ولا تظهر في الوجود غيري ) فهو تأييد ما شرحناه إذا كان اللّه في قلبه ، وهو متصف بمجموع الوجود ظاهر لأوصافه ، فليس في الوجود ظاهر إلا اللّه ، لأن العارف وقلبه وما أودع فيه وجثمانه ظاهر لأوصافه ، وأوصافه عبارة عن المجموع ، فليس في الوجود إلا اللّه ظاهرا وباطنا . وقوله : ( ثم قال لي : أوقفهم في الحيرة ولا تدل عليّ أحدا وأوصلهم إلي وعرّفهم بي ولا تعرفهم بمكاني ، وعرفهم بمكاني ، ولا تعرفهم بي ) أقول : مراده بهذا الخطاب تأييد ما ذكرناه من التحاق العارف بعد فنائه في الذات الفاعلة بها ، فيصير بمنزلة الفاعل في الموجودات ، فبواسطة فعله يشهد اللّه في عصره للشاهدين المخاطبين المرادين للمحو ، فإذا انتقل لمكانه هيأ عارفا آخر يكون هذا التهيؤ بواسطة المنتقل المتصف بالذات الفاعلة التي توقف الناس في الحيرة ، ولم تدلهم بواسطة ، فما عليها ما داموا فيها لكن عند الرجوع منها يكون الشهود بعينه دليلا على الذات ، وليس مراده بعد الرجوع ، وإنما مراده في حال الوقفة ، فإنها تكون مانعة عن الذات . وقوله : ( وأوصلهم إلي وعرفهم بي ) يريد به إخباره عن إظهار ما حصل له من التحقيق وتنبيهه للسامعين على حقيقة اللّه المعروفة بأحدية الوجود ، فإن هذه الأحدية هي حقيقة اللّه ويجب على العارف أن ينبه على هذه الحقيقة على سبيل الهداية ، وينشأ عن هذا التنبيه المشوب بالهداية من عدم الخصوص .
هامش
( 1 ) الحجاب : كل ما ستر مطويك عن عينك ، وذلك منك ، ومن انحصارك في كل ما تراءى لك من عالم النور ، أو الظلمة ، لا من غيرك .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 352 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية