تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
وقوله : ( ومن وجد فني ) يريد به الفناء في الذات بعد تحقيق وجود النفس ، فإنه قبل الفناء يحقق أنه موجود ، ولما تحقق له هذا الوجود كان عين التحقيق مصدّقا عليه للفناء لأنه إن لم يتحقق الوجود لا يتحقق الفناء . وقوله : ( ومن فني بقي ) يريد به أنه من اتصف بأوصاف الذات المفنية له حق له البقاء الحقيقي إذ الدوام للّه تعالى ، وهذا هو الذي يعطي سر الحياة لأن سر الحياة عبارة عن الاتصاف بمجموع أوصاف الذات التي من جملتها الحياة . وقوله : ( ومن بقي عبد ) يريد به أن من أسماء الذات المعبود فيها يفضي إلى الاتصاف بمجموع أوصافها وأسمائها فيصير فيها بمنزلة الصفة ، ومحال أن يعبد اللّه تعالى إلا بواسطة أسمائه وصفاته ، فإذا صار هذا الفاني صفة ، فقد صار معبودا ويحق عليه جزاء المعبودين العابدين وهذا معنى قوله : ( ومن عبد جازى ) . قوله : ( ومن جازى فهو الأعلى ) يريد بالعلو اعتلاء الرب على عبده ولا معبود إلا الرب في الحقيقة ، وهو القادر على الجزاء وقدرته تنشأ عن القيومية ، وقيوميته حقيقة استعلائه ، وكل هذه الأوصاف تنشأ عن القدرة على الجزاء والقادر مستعل على المقدور عليه . قوله : ( وأفضل المجازاة الآنية وفيها الحيرة ) يريد بالآنية المعروفة بخصوص النفس حتى إذا نطق الناطق بها يكون نطقه متمكنا من أجل الخصوص ، وخصوص الآنية لا يكون إلّا للعارف ولهذا لا يلفظ إلا بحق إما ظاهرا وإما باطنا ، لأنه تيقن بالخصوص ، فوجب تمكين لفظه ، لأننا قد قلنا في مفتتح هذا الكتاب إن معنى الآنية خصوص يكون للناطق بها في قوله : ( إني ) والعارف لما تيقن مخصوص نفسه عاد تمكين خصوصه بالمعرفة بلفظ الآنية ، ولا يخلو العارف من الاتصاف بالحيرة لأنها لفظ واقع في الوجود وهو متصف بكل واقع في الوجود لفظا كان أو حقيقة . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال : ليس الحيرة حيرة ، فإنما هي غيرة مني عليك ، فغر عليّ واسترني واحجبني ولا تظهر في الوجود غيري ، ثم قال لي : أوقفهم في الحيرة ، ولا تدل علي أحدا ووصلهم إليّ وعرفهم بي ولا تعرفهم بمكاني وعرفهم بمكاني ولا تعرفهم بي ) ] . ( ش ) أقول : يريد بهذا الخطاب ما يتفرع عن الاتصاف بالحيرة من العارف والإحاطة بالعلوم ، لأننا قلنا : إن شهود هذه الحيرة الذي هو الوقوف يكون للكامل قبل كماله وبعد قطعه للمرتبتين الأولى والثانية ، فيقف في شهود الحيرة قبل قطعه للمرتبة الثالثة التي يقطعها يتصف بالكمال ، فليس يصيب هذه الحيرة اسمها لكن يصيبها ما ينشأ عنها ، وكلما ينشأ عنها للعارف غيرة من اللّه عليه ليخرجه من حال الجهل إلى حال العلم ، قوله ( فغر علىّ ) يريد به وصفه له بغيرته عليه ، فإنه إذا غار اللّه على العبد والعبد فان في حقيقته