وقوله : ( ومرتقى همم النبيين ) يريد بالهمم همم النبيين إلى الإرسال ، وهم مرادون للنبوة فقط ، فلا يحصل لهم من هذه الهمة « 1 » سوى الحيرة .
( ص ) [ قوله : ( فلقد أفلح من حار ، فمن حار وحّد ، ومن وحّد وجد ، ومن وجد فني ، ومن فني بقي ، ومن بقي عبد ، ومن عبد جازى ، ومن جازى فهو الأعلى وأفضل المجازاة الآنية ، وفيها الحيرة ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب إظهار حقائق ما يحصل للمتحيرين وهم المنتمون إلى الذات من المحققين وغيرهم ، فالمحققون هم الذين يحصل لهم الحيرة اتصافا وغيرهم يحصل لهم عرضة في معرض الانتماء .
وقوله : ( فلقد أفلح من حار ) يريد به ما ذكرناه من الحاصل للمنتمين إلى الذات المحيرة .
قوله : ( فمن حار وحّد ) يشير به إلى المتصفين بالحيرة ، فإن الحاصل لهم من الحيرة جعل الأشياء واحدة ، وإن كانت متكثرة ، فالحيرة سبب توحيد الكثرة ، لأن التوحيد حاصل بعد الاتصاف بها .
قوله : ( ومن وحّد وجد ) يريد به وجودهم للحقيقة بعد هذا التوحيد ، فإن التوحيد المخصوص بالعارفين هو جعل الأشياء واحدا والتحقيق الذي هو وجود هذا الواحد هو الاتصاف به ، فكأن الوجود هو الاتصاف بمجموع الوجود بشرط الفناء الذي هو وجود النفس فقط .
هامش
( 1 ) الهمة : تطلق بإزاء تجريد القلب بالمنى . ممكنا كان ذلك أو محالا ، وعلى صاحب هذه الهمة أن ينظر فيما يتمناه ، ويحرره ، فإن أعطاه الرجوع عن طلبه بكونه محالا رجع ، وإن أعطاه الغريمة غرم .
وتطلق بإزاء أول صدق المريد : وتسمى هذه الهمة ، همة الإرادة ، وهي همة جمعية وتنحصر النفس عليها فلا يقاومها شيء حتى إنه لو تصور شيئا ، وأراد وقوعه ، لوقع في الحين ، والنفس إذا انحصرت على الجمعية ، وأحيطت فيها بالقوة والملكة انتقلت لها أجرام العالم والأرواح ولا قصاص عليها بشيء ، وليس من شروط هذه الجمعية الإيمان ، ولذلك ظهرت آثارها على بعض كفار الهنود ، ولهم في الكون الأسفل تصرفات عجيبة ، ويزعمون أنهم أهل التروحن والتقديس .
وتطلق بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام ، وهذه الهمة إنما تسمى بهمة الحقيقة ، وهي همة الكمال من أهل اللّه تعالى ، حيث جمعوا الهمم المتعلقة بأنحاء الكمال على الحق ، واطلعوا بصفاء الإلهام توحيده الذاتي وتوحيده الجمعي الأسمائي من مشاهدة التفصيل في جمعه كما هو .