لا خطاب فيه ولا سماع .
قوله : ( ثم قال لي : من عرفني لم يدر ما الحيرة ) أقول : إنه يشير في هذا الخطاب إلى الحاصل الحاضر بعد الكمال ، فإنه يحصل له العلم بكل شيء ، وكل معلوم محاط عليه فهو حاضر ، ومع حضور كل شيء مع الاتصاف بأحدية الأشياء فلا حيرة لأن الحيرة لا تكون إلا في وجود وعدم مجتمعين ، وإما في عدم فقط مع بقاء الإدراك ، وهذا الفاني في حقيقة اللّه وهو العارف به قد انتفى عن معرفته الوجود المتكثر ، وقد حصل له العدم المتحد الذي هو وجود حقيقي وقد صار له العدم وجودا والوجود المعهود عدما ، وهما صفتان كامنتان في ذاته ينظر كل واحدة منهما باعتبار ، فكما لهما باعتبار وعدمهما باعتبار ، فلا يحصل لها الحيرة أبدا .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : في الحيرة تاه الواقفون ، وفيها تحقق الوارثون ، وإليها عمل السالكون ، وعليها اعتكف العابدون ، وبها نطق الصديقون ، وهي مبعث المرسلين ، ومرتقى همم النبيين ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب إظهار حقيقة صفة الذات العدمية وهي المحيرة ، إن كان الوقوف عليها في الحد الذي ذكرناه ، وقلنا : إنه الفاصل بين العدم والوجود والأصل في هذا الخطاب كله إظهار حقيقة الذات التي توجب في حال شهودها الحيرة ، وهذه الذات هي المطلوبة لهؤلاء المذكورين .
فقوله : ( في الحيرة تاه الواقفون ) يريد بهم هاهنا أرباب شهود المحو ، فإنهم بواسطة الحيرة حصل لهم التيهان لأنهم شهدوا عدما ظلمانيا وتيقنوا بهذا الشهود ورجعوا من خلفهم المخصوص وشهدوا وجودا ، فحصلت لهم الحيرة في وجود هو حقيقة العدم وعدم هو حقيقة الوجود ، ونشأ عن هذه الحيرة التيهان المذكور لهؤلاء الواقفين ، وإنما تسموا بالواقفين لأنهم في حال شهودهم لا يقدرون على الجري إذ لا أين لهذا الشهود وفي حال رجوعهم منه لا يقدرون على العبادة ، وهذا كله مما يقضي التقييد الذي يستحق إطلاق اسم الوقوف ، ووقفة هؤلاء تباين وقفته في الحيرة ، لأنها تقتضي شاهد العدم وقفة هؤلاء التائهين ، ووقفة هؤلاء تقتضي نفي الشاهد والمشهود والخطاب والسماع والنور يقتضي وجود الظلمة « 1 » ، وهذه الأوصاف كلها تباين وقفة الحيرة وكلا الوقفتين تباينان وقفة من
هامش
( 1 ) الظلمة : قد تطلق على العلم بالذات الإلهية .