تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
عين الوجود ، فإن حقيقة الذات عدمية بعدم الأشياء ، فإذا تحقق لها هذا العدم اتصفت بالبقاء الحقيقي الذي عرف أوله بالأزل الذي لا ابتداء له وآخره بالأبد الذي لا نهاية له ، فكل هذه أوصاف استمدها من الذات في حال عدمها فيها ، فهذه الحيرة تنشأ من شهود الذات المفنية للأشياء ، وهي التي ينشأ عنها العلم والاتصاف به والإحاطة على المعلومات فيه ، وهي المحققة أعني الذات عند كمال العارفين ، وتحقيق أحديتها هي الحقيقة وشهود هذه الحقيقة الذاتية هي الحيرة المذكورة ، لكنها تعرف بالحيرة باعتبار ، وتعرف بالحقيقة باعتبار ، أمّا معرفتها بالحيرة ، فعند وجود شاهد فيها عند ظهورها بالعدم في عين الوجود ، وأما معرفتها باعتبار الحقيقة ، فهو أن يتصف الشاهد بها ويتيقن أنها واحد صمداني لا خلاء فيه حق بريء عن الباطل ، فكلا المعرفتين واحد لكن يختلف الاعتبار بتكرار الشهود ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « رب زدني فيك تحيرا « 1 » » ، وأما حقيقة الحقيقة فهو تحقيق الأحدية المذكورة بشرط الاتصاف ، فإن الحقيقة هي علم بالذات شهودا واطلاعا من غير اتصاف ، وتحقيق الحقيقة هو الاتصاف المذكور مع بقاء الشهود والاطلاع . وقوله : ( ثم قال لي : من لم يقف في الحيرة لم يعرفني ) أقول : يريد بهذا الخطاب تأييد ما ذكرناه من أن الحيرة شهود الذات في حال ظهوره بالعدم في عين الوجود ، وهذا لكل كامل قبل أن يجمع له بين النقائض حتى إنه لو شهد المحو ، واستمر عليه وفاته هذا الوقوف لم تصل درجة الكمال ، وهذا لا يكون إلا لمن هو مهيأ للمحو فقط ولهذا يكون متصفا بالمعرفة ، ولا يتيقن أنه عارف ، أما توريته عن هذا الشهود بالوقوف لأنه لا يكون إلا في الحد الفاصل بين العدم والوجود ، وهو الذي نسميه الفاصل بين الإطلاق والتقييد ، لأن التقييد وجود والإطلاق عدم ، فهذا الشهود أعني شهود الحيرة لا يكون إلا عند ولوج الشاهد في الحد المذكور ، فإن مال عنه لا يسمى واقفا في الحد ومن شرط هذا الشهود أن يكون الشاهد له في الحد ليشهد العدم والوجود ، فلهذا عبرّ عنه بالوقفة لأنها مقتضى الحد ، فكأنه قال : من لم يقف في الحد متحيرا لم يعرف ذاتي أي لا يشهدها ولا يحققها ، وليس مراده بهذه الوقفة العامة ، وهي قول بعض الشاهدين أوقفني وقال لي ، وإنما مراده الوقوف في الحد لأنه قرنه بالحيرة ، وهذا خصوص يباين الوقفة العامة لأن من شروطها شاهد ومشهود ومخاطب ومخاطب ، وهذه أوصاف تنافي الوقفة في شهود الحيرة ، فإنه شهود عدم
هامش
( 1 ) لم أقف عليه .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 347 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية