تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : شهود الحيرة حيرة ، ثم قال لي : الحيرة مع الغيرة « 1 » ، ثم قال لي : من لم يقف في الحيرة لم يعرفني ، ثم قال لي : من عرفني لم يدر الحيرة ) ] . ( ش ) أقول : هذا ظاهر المعنى وهو شهود مخصوص وصورته أن يشهد الإنسان الذات ولا يقدر أن يحكم عليها بوجود ولا بعدم ، لأن الأشياء معدومة فيها ، وقد وجد نفسه موجودا مع حكمه على العدم ، فوجب أن يتحير هناك . وقوله : ( ثم قال لي : الحيرة مع الغيرة ) أقول : إنه يشير إلى الخطاب السابق ، إذ هو وجود في عدم ، ومنه يحصل للشاهد الحيرة ، ويلزم الحيرة هنا الغيرة لزوما ، لأنه يخاف الشاهد على وجوده الصوري الذي يسمى به شاهدا من العدم ، لأن هذا المحل عدمي ، وإذا عدمت الأشياء فيه ينتفي شاهد ومشهود ، وهذا المحل ينبغي الاطلاع فيه ، والشهود له والقرب منه إذ منه نشأة الاتصاف والعلم والإحاطة به والقدرة والقيومية وما أشبه هذا ، فإذا انتفى الشاهد والمشهود ، فلا يعود للشاهد قدرة على ما ذكرناه اطلاعا ، ولا شهودا ، فهو يغار على وجوده من العدم في هذا المحل ، ليحصل له هذا الشهود المذكور ، وهذه الغيرة مخصوصة بهذا المحل المذكور ، دون غيره من المحال التي تنشأ فيه الحيرة ، فإنه ليس كل حيرة تصطحب الغيرة إلا في هذا المحل لأجل وجود الشاهد الصوري فقط . قوله : ( ثم قال لي : الحيرة حقيقة الحقيقة ) أقول : يريد بالحيرة شهود الذات بصفة العدم في
هامش
( 1 ) الغيرة : غيرة في الحق لتعدي الحدود ، الغيرة تشعر بثبوت الغير ، ومشاهدته ، ومن حيثية الغيرة تظهر الفواحش ، والغيرة إنما تظهر عند رؤية المنكر والفواحش ، والأغيار الثابتة ، فكثرتها إما نسب وأحوال مختلفة معقولة قائمة بعين واحدة لا وجود لها إلا في تلك العين ، وإما آثار استعدادات المظاهر في الظاهر فيها ، فعلى التقديرين لا وجود في الأغيار مع ثبوت حكمها في العين الظاهرة بها . فخذ من هذا التقريب من أين ثبوت نشأة الفواحش ؟ ولم حرمت ؟ والإنسان مأمور بأن يجعل نفسه وقاية للظاهر فيه ، والعبرة محمودة ومذمومة . فالمحمودة : هي التي اتصف بها الحق ، والرسل ، وصالحو المؤمنين على أنها مرموزة في الطبع ، فلابد منها . وغيرة تطلق بإزاء كتمان الأسرار : الأولى غيرة في الحق ، وهذه غيرة على الحق ، وهذه حالة الأولياء الأصفياء الذي يسعون في ستر أحوالهم ومقامهم على الحق ، فلا يتميزون بعادتهم وعبادتهم عن العامة . وهذه غيرة من الحق ، ولهم خلف حجب العوائد الواصلة الدائمة ، وعندية الحق معهم تقتضي أن يكون التمييز بين الظاهر ، والمظاهر أخفى ، فهم عنده كهو عندهم ، فأخفى العين في العين .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 346 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية