أراد الاتصاف بالتقييد مال ميلا إراديا فيحصل لذاته الصفات ، فإذا أراد الظهور لهذه الصفات جعل نور ذاته مرآة ، ونظر فيها نفسه فكان المنطبع صورة الشاهد والناظر صورة مشهود ، فهذه الكيفية ظاهرة والأصل واحد ، وفي الحقيقة لا شاهد ولا مشهود ، لكن هذه الكيفية التي تنشأ عن التقييد أوجبت القول بأنت وأنا ، وهو خطاب بين صفة وموصوف ، والحقيقة الأحدية تنافي هذا كله .
فقوله : ( أنت أنا وأنا أنت ) يريد إخفاء ظاهر باطن ، وإظهار باطن حق .
وقوله : ( ثم قال لي : لا أنت أنا وأنا أنت ) أقول : إنه يشير به إلى ما ذكرناه من إظهار الحق وإخفاء الباطن ، فإن الشاهد والمشهود في الآن كامل ، وأحدهما ناقص بالنسبة إلى الآخر ، فإذا ظهرت الحقيقة الواحدة خفي النقص وظهر الكمال الحقيقي ، فيكون المشهود قد ظهر بصفة الأحدية هاهنا ، وخفي النقص في ذات الشاهد ، فاللّه تعالى بريء عن النقائص ، فلا يتصرف أحديته بصورة هذا الشاهد ، لأنها متضمنة لمجموع النقص وهي التي تخاطب بأنت ، لأنها في الحقيقة فانية باطلة الحكم ، ولهذا قال له : ( لا أنت أنا ) معناه إنك ناقص ، وأنا أنت لأنك في الحقيقة كامل ، وكمالك هو كمالي هذا بعينه وهو مفاض عليك وأنت لا تقدر على فيض النقص إلي .
وقوله : ( ثم قال لي : لا أنا أنت ، وأنت أنا ) أقول : مراده به أن العارف ، وإن اتصف بالفناء ، فلا يطلق عليه اسم اللّه ، واللّه مع كونه مطلقا يظهر بصفات يحكم عليه التقييد والشاهد من جملة الصفات ، وقد قال فيما مرّ من المشاهد ( من وجدك وجدني ومن فقدك فقدني ) إشارة إلى معرفة الحق بواسطة صفاته .
فقوله : ( لا أنا أنت ) أي : لا تعرف باسمي وأنت أنا ، أي : أعرف بك لأنك من جملة الصفات في حال التقييد .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : لا أنت أنت ، ولا أنت غيرك ، ثم قال لي : الآنية متحدة والهوية « 1 » متعددة ، ثم قال لي : أنت في الهوية وأنا في الآنية ) ] .
( ش ) أقول : إنه أشار إلى حقيقة هذا الشاهد ، وهي البريئة عن التقييد ، فإنها ليس فيها مخاطب ولا مخاطب ، والقول بأنت يقتضي الثنوية المباينة لهذه الحقيقة .
هامش
( 1 ) الهوية : الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق ، ولحوق الواو من الحروف الدورية بهو ، دليل دور الهوية في تجليها أزلا ، وأبدا ، من نفسها على نفسها ، فإن الغيب المطلق من حيث هو غيب لا ينتهي إلى حد ينقلب فيه شهادة قطعا .