وأصل العدم الظلمة وهو ظلماني ، فوجب أن يكون هذا الطالع يشبه محله صفة ، لأنه ليس لنا شيء يشبه محله سوى هذا الطالع ، لأنه ممكن لشهود محله ، فمحله مفتقر إليه وهو كذلك فيشارك محله صفة لا طبعا وصفة محله الظلمة ، فلما كانت الحيرة تشبه محل الطوالع في الظلمة وعدم الأينية وتباينها بوجود شاهد ومشهود ، وجب أن يكون هذا الطالع ممكنا لشهود الحيرة لأجل المشابهة في الظلمة لا لأجل المباينة بشاهد ومشهود ، فكأنه يقول : أشهدني الحق ذاته في محل شهود الحيرة ، ومكّن لي هذا الشهود طلوع نجم العدم .
قوله : ( وقال لي : ارجع ، فلم أجد أين يريد به ) أقول : يريد به إنه لما كان في حكم هذا الخطاب مستودعا في العدم والعدم بريء عن الأينية والحصر إذ هو حقيقة الذات ، وقيل له : ارجع فما وجد أين ، وكذلك قوله : اقبل ، وقوله : قف لأن هذا المحل مباين للتقييد ، وهذه كلها من أوصاف التقييد حتى الخطاب والشاهد والمشهود ، ولما كان هذا التقييد من صفات هذا العدم الذاتي وجب في هذا الشهود مخاطب ومخاطب وإلّا فلا يسوغ الخطاب .
وقوله : ( وقال لي : لا تخلو فحيرني ) يريد به تجويز الخطاب الحاصل له في هذا الشهود ، فإنه لو لم تكن الأينية جائزة في هذا المحل جوازا معنويا لما أمكن الخطاب في هذا المحل العدمي ، وهذا هو الذي قلناه : إن التقييد من صفات العدم ، فلا بأس أن يظهر المطلق بصفته التي هي التقييد في هذا المحل ، فلمّا ظهرت هذه الصفة لهذا الشاهد في هذا المحل كان من ظهورها شاهد ومشهود ليثبت التقييد ، ويلزم من الشاهد والمشهود وقوع الخطاب ، فلابد عند ظهور العدم بصفته التي هي التقييد من شيء ما ، ولو شاهد بغير مشهود ، فهذا معنى قوله : ( ولا تخلو ) وهذه كلها مما يمكن الحيرة ، ولهذا قال : ( فحيرني ) .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : أنت أنت ، وأنا أنا ، ثم قال لي : أنت أنا ، وأنا أنت ، ثم قال لي : لا أنت أنا ، وأنا أنت ) ] .
( ش ) أقول : مراده الإشارة إلى ما ذكرناه من أنه ليس في هذا المحل سوى شاهد ومشهود وإلا كان هذا الخطاب عاريا عن الفائدة لكنه يبين وجود الاثنينية فقط .
قوله : ( ثم قال لي : أنت أنا وأنا أنت ) أقول : مراده بهذا الخطاب الإشارة إلى أحدية الوجود ، فإن الشاهد والمشهود واحد من حيث عدم الصفات ، واثنان من أجل بقاء الصفات التي تفضى إلى التقييد ، فحقيقة الشاهد والمشهود واحد مطلق ، فإذا أراد الاتصاف بالتقييد بكيفية هذه الحقيقة بكيفية إرادية مائلة إلى الظهور ، فيشهد هذه الحقيقة اثنين ، وهما شاهد ومشهود ، وصورة هذا التكيف هو أن اللّه من حيث حقيقته مطلق ، فإذا
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 343
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣٤٣