الخطاب ، وإلا فالتحري أن لا يكون فيها خطاب ولا يحصل الخطاب فيها إلا لمن يكون باطنه بريئا عنها ، وهي مصاحبة لظاهره لأجل الكمال الذي هو الاتصاف بكل شيء ظاهرا وباطنا ، وهذا لا يكون إلا للمنفرد في عصره بالمعرفة اتصافا وإحاطة حتى إذا ألقى جسده في المحيط الفاصل بين الوجود المقيد وبين العدم المطلق حصل له هذا الشهود ، فلو لا المحيط الذي هو محل الشاهد في هذا الشهود لكان جمعا بين النقيضين لا شهود حيرة ، لكن المحيط أوجب للواقف فيه شهود الحيرة ، لأنه قد تيقن قبل هذا الشهود أن الأشياء واحدة متكثرة ، ولا انفصال للوحدة عن الكثرة ، فلما وقف في هذا المحيط المذكور شهد الوحدة منفصلة عن الكثرة انفصال صفة من موصوف لا انفصال مباينة وتباعد ، لكنه تمييز صفتين بظهور واحدة منهما على الأخرى ، وقد كانت الظاهرة هي صفة التقييد هاهنا ، ولهذا حصلت الحيرة في هذا الشهود ، فموجبها ظهور مقيد محصور على مطلق لا ينحصر ولا يتجزأ ، فظهور المتجزئ مخفيا للمطلق أوجب الحيرة لهذا الشاهد إذ أصل الأشياء عنده الإطلاق إذ هو صفة للذات التي لا تنحصر ، تعالى اللّه عن ذلك ، وموجب النور في هذا المحل كما قلناه هو إرادة شاهد ومشهود ، لأن هذا المحل لا يسع إلا واحدا ، فيكون الشاهد مستودعا فيه والمشهود محمول على الشاهد أشبه الأشياء باستواء الرب على العبد .
وقوله : ( وطلوع نجم العدم ) الممكن لهذا الشهود ، وهذا الطالع لا يشهد إلا في حال الجري ، وهذا الشاهد قد جرى في محله في هذا الشهود إلى جهة العدم الذي قلناه فيه : إنه يشهد بعين ، ويشهد الوجود بعين أخرى ، ولما كان أصل الأشياء هو العدم ووجب أن يكون الممكن لهذا الشهود طالع يختص بالعدم الذي هو إطلاق الذات الظلمانية ، ولهذا كان الفناء فيها عدما ، فلما جرى من هذا المحيط الذي هو الحد إلى الإطلاق الذي هو العدم وجب أن يشهد هذا الطالع المختص بتمكين فصل العدم من الوجود ليمكن له هذا الشهود ذو الحيرة ، وهذا الطالع يكون أشد ظلمانية من كل الطوالع « 1 » المذكورة في هذا الكتاب وغير المذكورة لأنه مشهود في محله الذي هو العدم
هامش
( 1 ) الطوالع : أنوار التوحيد ، يريد بها الأنوار الشهودية التي تنكشف بها صرافة التوحيد عندما يطلع أهل المعرفة الذين أدركوا الشيء بعينه ، فيطمس سائر صحو المعلومات ، فيثبت كشفا ، ما كان ينفيه عقله المجرد .