عبرّنا عنه بالجنة لأنها حقيقة الاسم الرحمن ، فلما خرج منه آتيا إلى المنزل الثالث الذي هو عرش الذات كان جاريا جري نزول في صورة تنازل .
وأقول : إنه قد جرى في العمد من العرش الرحماني الذي هو محيط بالوجود الظاهر نازلا إلى حيث أن شهد الماء المدرك المعهود ، فكما أن اللّه تعالى خلق السماوات ، والأرض في ستة أيام ، ثم استوى على العرش استواء قيومية واستعلاء فكذلك هذا الشاهد جرى من محل الاستواء إلى المنزل الثالث الذي هو عرش الذات جري نزول ، وهذه الصفة عكس صفة اللّه تعالى في حال الاستواء ، وموجب نزول هذا الشاهد هو من باب نزول اللّه في الثلث الآخر من الليل ، فإنه على رأينا لا ينزل إلا بصورة العارف إذ هو مستودع في قلبه .
وقوله : ( فلما كان الألف السابع قال لي : تجرد عن ثيابك فإنك في وسطه واغطس على تلك المفاتيح ، فهاهنا مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) يريد بالألف السابعة المهلة بعد الستة وهو في قوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى
[ البقرة : 29 ] .
وأما تجريده عن ثيابه فهو أنه في حال الجري يسلك منازل وحضرات كل منها يغاير الصورة التي كان فيها في الحضرة فيدخل في كل منزل وحضرة بصورة تناسبها وإن كان جاريا في خلع واحد لكنه يتكيف في كل منزل بكيفية تليق به وهو تجريده عن ثيابه وهذا التجريد لا يكون في عموم الشهود لكنه في شهود خاص مفهوم لأربابه .
وقوله : ( واغطس فيه ) يريد به فناؤه في الحياة لأنه من حين استقر في وسطها يعبر له الكمون فيها إذ هو مقر العلم كالحال في القلب فإنه في وسط الجسد .
قوله : ( مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) يريد بالكتاب المبين صورة الإحاطة فإنها تحتوي على كل شيء .
( ص ) [ قوله : ( فتجردت عن ثيابي فأردت إزالة مئزري ، فقال لي : لولا المئزر ما قدرت تنغمس ، فشددت مئزري ورميت نفسي من المركب حتى وصلت قعر البحر ، فأخرجت المفاتيح ، فلما وصلت أعلى ظهر البحر خرجت نار من المفاتيح ، فأحرقت المركب ، فصعدت حتى وصلت الخزائن ، فطارت المفاتيح من يدي وبادرت المفاتيح إلى فتح الأقفال ، ففتحت الأبواب ودخلت الخزائن ، فرأيت بداية من غير نهاية ) ] .
( ش ) أقول : قد ذكرنا معنى التجرد عن ثيابه وهي غير الكيفية عند كل محل وغطسه في البحر هو الاتصاف بالفناء عند كمونة فيه إذ هو حياة الذات كما قلناه وأما إرادة إزالة