وهو الاستيداع في العدم ، فعند الرجوع من هذا الشهود بشرط بقاء العقل يحكم لهذا الشاهد بالنجاة .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : من كان من أهل عنايتي أنشأت له مركبا ، فجرى به في الأنهار حتى قطعها ، فإذا رميت به في الأبحر جرى فيها حتى إلى البحر المحيط ، فإذا انتهى إليه علم الحقائق وكاشف الأسرار ، وإلى هذا البحر ينتهي المقربون ) ] .
( ش ) أقول : مراده بهذا الخطاب إظهار حقيقة خصوص الأنبياء ، فإنهم أصحاب المراكب الناشئة عن الإرادة ، وهم أولو السير إذ البعثة في معناه وهم أهل العناية لأجل الخصوص الذي اختار اللّه لهم ، والمراكب المنشأة لهم هي آلة السير في صورة البعثة إلى المنذرين والبعثة واحدة لا خصوص لأحد من الأنبياء فيها دون غيره ، ويتفاضلون بالعموم ، فكل من كانت بعثته أعم فهو أفضل وفي عدم الخصوص بينهم في الرسالة ، قال اللّه تعالى :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
[ البقرة : 285 ] ، إذ العناية واحدة وهم مشتركون .
قوله : ( أنشأت له مركبا فجرى به في الأنهار حتى قطعها ) يريد به أن الأنبياء يطلعون على مواد الحياة شهودا وكيفية الخصوص في الأنواع الحيوانية ، ولهذا كانت بعثتهم عموما وخصوصا ، فالعموم لمن وقف على هذه المواد وحققها ، والخصوص لمن اطّلع عليها اطلاعا من غير تحقيق ، ومن هاهنا فيهم الفاضل والأفضل .
وأقول : إن هذا التحقيق يفرد به نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وامتاز به عن الكل ، فعناية اللّه به أشد تمكينا وأظهر حبا للّه وهو الذي جرى في الأنهار حتى قطعها أي حققها ، وهاهنا إشارة خافية لا يمكن إظهارها لأن الشاهد قصد إخفاءها ، ونحن نحذو حذوه في القصد إلا أن تلجئ الضرورة إليه ، وهذه مما لا يضطر إلى بيانها .
وقوله : ( فإذا رميت به في الأبحر جرى فيها حتى ينتهي إلى البحر المحيط ، فإذا انتهى إليه علم الحقائق وكاشف الأسرار ) يريد بالأبحر الوجود الظاهر ، وفيه إشارة إلى الأسرار والارتفاع إلى المقام المحمود المختص بمحمد صلى اللّه عليه وسلم إذ هو أعني المقام المحمود آخر ما ينتهي إليه الوجود الظاهر وهو إلى محل الاستواء ، فهذا معنى رميه في الأبحر .
قوله : ( جرى فيها حتى ينتهي إلى البحر المحيط ) هو معنى ما ذكرناه من نهاية الأسرار وعنده ينتهي إلى البحر المحيط ، فهناك يحصل له علم الحقائق ومكاشفة الأسرار وهي الأمور التي اختصت به من ظهور المعجزات على يديه وإخباره بما كان وما هو كائن ،