الواحد الأول لأنه يحتوي على جميع الأبحر المذكورة وسواحلها إذ هو ممدها في حال الانفصال ومستمد منها في حال الاتصال ، فإذا كان ممدا اشتمل نقيضه على المفاض عليه اشتمال غمر وإرادة إكمان ، فكل فيض يصدر منه على واحد ، من هذه الأبحر يسمى ساحلا ، فهذه الأبحر بالحقيقة للسواحل ودعواها حق ، فمن أراد البحر المحيط قبل الأبحر والأنهار ، فذلك صديق يريد به شهود الحق على ما هو عليه لأن الصديقية منوطة بالتسليم فلا يصل إلى فهم الصديق إلا ما هو الأمر عليه في نفسه لئلا يبادر إلى التصديق إلا عن تحقيق ولهذا قال الصديق رضي اللّه عنه : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله ، لأن أصل الأمر عند التصديق مبني على التوحيد العامي المباين لتوحيد العارف ، ولهذا حكم للعارف بالزندقة فيما قاله أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه وذلك في قوله : لا يكون الرجل رجلا حتى يشهد له ألف صديق بأنه زنديق .
فتوحيد العارف جعل الأشياء كلها واحدة فانية في حقيقة اللّه تعالى ، وتوحيد الصديق جعله للّه واحدا من جملة الآحاد ، ويخصصه إما بحياة وإما بصورة لا مثل لها ويصطحب هذا الخصوص التعظيم ، وهو قاطع بأن حياة اللّه تعالى تباين حياة الموجودات ، وهو البحر المشاهد منفردا عن باقي الأبحر ، وشرطه أن لا يعلم أن الحياة سارية في مجموع الوجود ليحصل له عند شهود البحر تعظيم منوط بالتسليم .
وقوله : ( ومن شاهدها دفعة واحدة فذلك شهيد ) يريد أن الشهيد هو الشاهد الناقل العاري عن الاتصاف فهو لا يحكم على ما شهده إلا بنظرة فقط مع تيقنه أن شهوده حق ، فالشهيد هو الذي يشهد اللّه في أوصافه ويقول : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه فيه ، ولهذا قال : ومن شاهدها دفعة واحدة أشار إلى البحر ثم الأبحر وهو اللّه وصفاته ، فالشهيد من يشهد اللّه في أوصافه .
قوله : ( ومن شاهد الأنهار ثم البحر ثم الأبحر فذلك صاحب دليل ) يشير به إلى أرباب النظر العقلي وهم المحققون منهم على معتقدهم فإنهم يشهدون الأمر على ما هو في الظاهر شهود الكشف وعقولهم لا تقنع بالشهود الكشفي الباطن ، فلهذا يشهدون الأنهار التي يعرف أحدها بالظاهر ثم يشهدون البحر الذي يمدها فهذا عندنا شهود التفات ظاهر بقصور النفس « 1 » والدناءة ولا قناعة فيه ، والفرق بين شهود أصحاب النظر وشهود
هامش
( 1 ) النفس : « بفتح الفاء » روح يسلطه اللّه تعالى على نار القلب الموقدة بهبوب شوقه إلى الظفر