والثاني هو الظاهر ويلزم منه ظهور الباطن لزوما ضروريا ، ثم يظهر الآخر أخيرا لتشمل الرحمة على مجموع الوجود فإذا كملت الأسماء ابتداء الظهور آنفا من الرحمن ، فعالم الآخرة يظهرون بهذا المظهر وهم لا يعلمون لأنهم مستودعون في حقيقة الرحمة والموجودات الحادثة صادرة عنها والأصل في هذا كله إظهار حقيقة أحدية الوجود لأنه يفيض منه وعليه ولا يدخل عليه ثان ، فمن الذات إلى الأسماء في صورة الأنهار ، فإذا استقرت الأسماء صارت أبحرا ومن الأبحر إلى المحيط الجامع لحقيقة الحياة وهي الذات .
( ص ) [ قوله : ( فقال لي : هذا البحر المحيط بحري ، وأولئك أبحري لكن ادعت السواحل أنها لها ، فمن رأى البحر المحيط قبل الأبحر والأنهار ، فذلك صديق ومن شاهدها دفعة واحدة ، فذلك شهيد ، ومن شاهد الأنهار ثم البحر ثم الأبحر فذلك صاحب دليل ، ومن شاهد الأبحر ثم الأنهار ثم البحر ، فذلك صاحب آفات لكنه ناج ) ] .
( ش ) أقول : معنى هذا الخطاب مثل معنى قوله تعالى :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] ، وفيه إشارة إلى أحدية الحياة التي تنشأ منها الحياة المشهودة مختلفة ، فشهود الاختلاف منها لتحقيق الجهل على الجاهل وشهود أحديتها لتحقيق العلم على العالم وكلاهما فانيان في حقيقة اللّه تعالى بل الوجود كله المشهود بالكثرة شهوده بالكثرة عارض والحقيقة « 1 » للواحد فلما كان الواحد سابقا لكماله على الوجود المشهود كثيرا .
قال : ( هذا البحر بحري ) أي الحياة الواحدة لي .
وقوله : ( وأولئك أنهري أبحري ) إشارة إلى الوجود بالمعية وهي حقيقتان رب وعبد وحقيقة العبودية نفي في الربوبية ، فكأنه يقول هذه الحياة المعروفة بالكثرة لي في حال وجودي بالأوصاف .
وقوله : ( لكن ادعت السواحل أنها لها ) يريد بالسواحل ما يحيط بالأبحر وهو البحر
هامش
( 1 ) الحقيقة : سلب آثار أوصافك عنك بأوصافه ، ومن آثارها تقيدك وتلبسك بها ، فالسلب إنما يتوجه إلى آثار الأوصاف ، لا إلى الأوصاف ، فإن وجودك عين وجوده ، وأوصافك عين أوصافه ، وهو أحدية جمع كثرتها ، فإنه الفاعل بك فيك منك لا أنت ، وقد أيد معنى كونه أحدية جمع الكثرة ، وكونه فاعلا لها بقوله تعالى :ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها[ هود : 56 ] ، ومحصل المعنى الحقيقة اسم أطلق على الحق عند تحقيق كونه عين وجود العبد وأوصافه ، وقد تبين سقوط إضافتها عنه ، فإنه تحققه بالوجود وأوصافه باق على عدمية ، لم يشم رائحة ، من ذلك قول :
« وإذا أحببته كنت له سمعا ، وبصرا ويدا »
فليس للعبد في وجود الحق إلا الحكم ، لا العين . . فافهم .