تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
الكامل هو أن الكامل يشهد المجموع في دفعة واحدة ويتضمن هذا المجموع البحر والأنهار والأبحر ، ويتمكن له هذا الشهود بالاتصاف ويتيقنه بوقوف المخيلة هناك ، فيعلم أن لا شيء متخلفا لأجل وقوف المخيلة ، وأرباب العقول يشهدون الأنهار أولا وهي التي تفرعت عن البحر ، ويتضمن هذا الشهود مجموع ما يمده الأنهار ، ولا وقفة للمخيلة هاهنا لأن البحر متخلف عن هذا الشهود ، والمتخيلة هاهنا عبارة عن النفس ، فلأجل هذا المتخلف عن الشهود تسري هذه المخيلة إليه فتسمى هذه النفس مقنعة غير قانعة ، وقد قيل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن القناعة غنى « 1 » » فلا تزال هذه المخيلة سارية إلى حيث شهود حاملها للبحر المتخلف وتسميه شهود لفتة ظاهرة بالافتقار لأجل براءتهم عن الاتصاف الذي اختص الكامل به . قوله : ( ومن شاهد الأبحر ثم الأنهار ثم البحر ، فذلك صاحب آفات لكنه ناج ) يريد به الكامل قبل كماله فإنه ينتهي في هذه المسافة إلى آفات لا يمكن إظهارها إلى الخارج إلا في العبارة ، وهي آفات بالنسبة إلى الواقع وهي في نفس الأمر عين السلامة ولهذا حكم له بعد قطعها بالنجاة وهو بقاء صورته على ما كانت عليه ، فهو يشهد الوجود الظاهر أولا بعد شهود الصورة وهي الأبحر التي هي حياة الأسماء الأربعة والأنهار بعدها وهي التي تمدها حياة ، والبحر المحيط بعد هذا الذي هو ممد الأشياء كلها شهودا آخذا إلى الرجعة ، فشهود هذا البحر نسميه شهود اللّه غير متصف لكنه شهود ذاتي وهذا يحصل له قبل شهوده بالمحو « 2 » فشهود المحو هو الولوج في هذا البحر وهو الفناء في الذات ،
هامش
بمطلوبه ، والروح المسلط عليها هو من لوائح الوصل والأنس ، لطفئ شررها بما فيه من برد سكينة النفس . ( 1 ) رواه البيهقي في الزهد الكبير ( 2 / 88 ) ، بلفظ : القناعة كنز لا يفنى . ( 2 ) المحو : رفع أوصاف العادة . نص قدس سره في الفتوحات : « إن المحو كالنسخ ، فإن الحكم إذا انتهت مدته انتقض بغيره ، والنسخ في الأحكام انتهاء مدة الحكم ، وفي الأشياء المدة » قال تعالى :كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى[ الرعد : 2 ] ، فجريان العادة في كل مخصوص ، وإنما يكون إلى وقت معين ، ثم ينتقض بما هو ليس بعادة .يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ[ الرعد : 39 ] ، والمحو في الكامل ، وإنما في باطنه ، دون ظاهره فإن ظاهرة متلبس بالعادة ، وباطنه غير مقيد بها ، ومن العادة الركون إلى الأسباب ، فبالمحو يكون الركون ، وتبقى الأسباب جارية على حكمها في مجالها .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 330 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية