بطالع النجم الممكن لتمييز الحياة على اختلاف محالها ، وما يتضمنه من الضيق والسعة والعلو والانخفاض إلى غير ذلك مما يختص بالتجزؤ ، ولهذا قال : ( وطلوع نجم المراتب ) فإن المراتب تقتضي العلو والهبوط واختلاف المحال ، وهذا الشهود يتضمن إدراكات كثيرة يمكّنها هذا الطالع المذكور واختلاف الإدراك هاهنا بقدر اختلاف الحضرات وما يتفرع عنها من مدد عوالم مثالها ، وما يحيط بها وحدودها ، فكل له إدراك متميز والمجموع يتضمنه إدراك واحد ، وهذا الإدراك المختلف الجامع لا يكون إلا للكامل ، لأن الخلع المختص بشهود الذات فياضة لا يكون إلا له ، لأنه على سبيل الرجعة إلى الأولية ولا يكون إلا لمن اتصف بالفناء « 1 » في الذات ، وكذلك شهود ألست بربكم وفيه قال الإمام المؤيد سهل بن عبد اللّه التستري رحمه اللّه لما سئل عن الولي العارف ؟
فقال : « من سمع بأذنيه خطاب ألست بربكم وقال : بلى ، فقيل له : وأنت سمعت ذلك ؟ فقال : نعم ، وأعرف من كان عن يميني ، ومن كان عن شمالي » ، وهذا السماع لا يكون إلا بتحديد الشهود الوصفي بعد الكمال ، وعود آخر العبد إلى أوله ، فلما كان هذا الشاهد رحمه اللّه في حكم هذا الخطاب متصفا بالكمال الأتم وجب أن يشهد صورة فيض الذات المخصوص بالحياة متميزا بالنورانية المذكورة ، ومتمكنا بالطالع المذكور أيضا ، وهذا الطالع الممكن في غاية ما يكون من النسبة إلى الأنهار لأنه بقدر الحياة يحصل للإنسان دراية وتحصيل علوم وشدة إدراك ، هذه كلها مما يختص بالسعة التي يستعلي بعضها على بعض ، فلما ظهر هذا النجم بوصف المراتب كان في غاية القرب والإضافة إلى الأنهار المذكورة ، فقد كان هذا الشاهد في حال شهود الأنهار واقفا لا جاريا لأن محله الحد ولا يكون فيه إلا واقفا ، فإن شهوده لهذا الطالع جرى راجعا إلى جهة الأولية ، فشهد في جريه هذا الطالع المذكور ، لأنه لا يشهد إلا في حال الجري ولذلك حكمنا عليه بأنه للتمكين لا للتمييز ، فإننا نشهد على سبيل المصادفة في حال الجري ، ويكون هو القصد ، فمن حين يشهد الشاهد هذا الطالع المذكور يتمكن يقينه باتصافه بمجموع شهوده في هذا الخلع ، ويكون هذا الطالع شديد الضياء وحسه لطيف يكاد يلتحق بالخفاء ، ولا يلحظ فيه ظلمة أبدا ، فكأنه قال : أشهدني الحق ذاته في حال إلقائي للجسد ورجوعي إلى جهة
هامش
( 1 ) الفناء : فناء رؤية العبد لفعله بقيام اللّه تعالى على ذلك .
هذا هو قسم من أقسام الفناء وهو فناء الفعل في الفعل ، ولم يشمل على فناء الصفة والذات في الذات .