بسر الحياة من حين الفناء في الذات لكن الواحد منها يفيض الحياة ظاهرا ، وهو صاحب الكرامة والآخر بعضها ما تدرك الأبصار للناظرين ، وسبب ذلك أنه ربما حصل له شيء من المنع آن الجمع بين الصفتين ، فلم يتركه مفيضا للحياة على هؤلاء الجاهلين أولي المسكنة ، وهذا المنع هو الدابة المذكورة ، فكأنه كلما أراد الكامل فيض الحياة ظاهرا حصل هذا المنع فيمكنها في ذاته ، وهو العدم المذكور ، لأن ذاته من حين فنائها اتصفت بالعدم المعهود ، وهذا المنع يحصل لبعض الكاملين لأجل غيره يتضمن شحا ما ، وهذا الشاهد رحمه اللّه بريء عن ذلك ضرورة لأنه حاتمي النسب طائي الأصل ، فيلزمه الكرم ظاهرا وباطنا .
وقوله : ( يرمي به من دبرها في العدم ) يريد بالدبر ضد القبل ، والفيض لا يكون إلا من أمام ، لأن الحق تعالى له صفاء الإطلاق والتقييد ، فالإطلاق هو المعبرّ عنه بالدبر وهو العدم المذكور ، والتقييد هو المعبر عنه بالقبل ، فعليه الفيض من الإطلاق الموري عنه بالعدم ، ولهذا يعود الشاهد عند كماله إلى خلاف ليتصف بالعدم الذي هو بقاء حقيقي ، وقد نقل الإمام القشيري رحمه اللّه في رسالته عن بعض المحققين في كلامه أنه قال : يعود آخر العبد إلى أوله ، يريد به عود النهاية على البداية .
وقوله : ( وأخرجك منه وألقيك في البحر الأبيض ليكون أبلغ في نكايته ) يريد به غاية تحذير البحر عن الأفعال السابقة من التموج والظهور إلى غير ذلك ، فإن البحر يخاف من خروج هذه الصخرة منه لئلا تنقص حياته التي دخلت عليه وقت امتزاجه بجزئه الترابي المعبرّ عنه بالصخرة إذ الحياة التي في الإنسان حال حميته العنصرية أكبر وأظهر ، وهذا التفريق يكون للشاهد قبل فنائه بآن واحد أو آنين ، فعند محوه يحصل الجمع الحقيقي الذي لا انفصال منه ، وهذا التفريق قد حصل لهذا الشاهد وقت خطابه من الجزء الترابي الموري عنه بالصخرة ، وهو قبل ولوجه في البحر الأخضر ، فمن حين يصدق هذا الولوج يعود هذا البحر الأخضر المعبرّ عنه بالحياة خائفا لئلا يحصل له هذا التفريق الأول مرة ثانية ، وهذا بجهل يتضمنه ذاته ولا يعلم أن هذا الجمع لا يطرأ عليه التفريق ما دام الأبد ، فخوف عن ارتكاب الأوصاف المذكورة بخروج الصخرة منه وإلقائها في البحر الأبيض ، والبحر الأبيض هو النور ، والبحر الأخضر من حيث هو ظلماني لا نور فيه فهو ينفر عن النور ، كما تنفر الظلمة عن الضوء طبعا ، فمن حين ولجت الصخرة في البحر الأخضر برئت عن النور ، وحصل لها الجمع فهو يخاف على الجمع من التفريق ، فإنه إذا
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 319
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣١٩