بآن واحد .
قوله : ( ولا يتموج ولا يتراكم ) يريد بالتموج استعلاء الحياة بعضها على بعض في حال ازدحامها عند قدوم العارف ، فإنه إذا قدم في آن فنائه على هذه الحياة عاد البحر له بمنزلة المحال ، وتعود جهاته متهافتة لتضم أكنافها على هذا العارف ، لأن قدومه زيادة حياة ، وسعة في هذا البحر ، فكأن اللّه تعالى بعث إلى هذا البحر الذي هو حياة الذات صورة المزاج على لسان نورها ، وهو الذي يحصل بين الحياة والعارف في حال فنائه ، واتبع هذا الأمر بأن قال للبحر : لا يتموج أي لا يحصل بين جهاتك تهافت فإن عارفا يقدم الآن ، وهذا مما حصل لهذا الشاهد قبل كماله وكذلك قوله : ( ولا يتراكم ) .
قوله : ( فيسمع دويه ، وأنا أغار عليه ) يريد بدويه : الصوت الذي يحصل في آن التهافت ، واللّه يغار على هذا الصوت أن يسمعه إلا هو ، والسامعون هم المشاهدون للصورة وأصحاب الأحوال والمقامات إلى غير ذلك ، فاللّه تعالى يغار عليهم أن يتعالوا على محالهم بسماع هذا الصوت ، فإنه من حين يسمع ، يحصل للسامع الاستعلاء ، وهؤلاء لا يلحقون درجة الاستعلاء الحقيقي ، فلهذا يغار اللّه على ذوي البحر أن يسمعوه فإن كلا له مقام معلوم .
وقوله : ( بلغه عني وقل له : إن تموج أو أظهر نفسه أو رمى بك على ساحله أو حجبك عن حيتانه أسلط عليه دابة من دوابي تشربه ، ثم ترمي به من دبرها في العدم ، وأخرجك منه وألقيك في البحر الأبيض ، ليكون أبلغ في نكايته ) أقول : مراده بهذا التنزل إرسال أمر على لسان النور الذاتي الموري عنه بالقمر إلى البحر الذي عبرنا عنه بسر الحياة ، فإنه قبل هذا الخطاب أرسل هذا الأمر بعينه إليه ، فكأنه لم يتمثل هذا الأمر ، وذلك لأنه آن إرادة اتصاف الشاهد بالكمال قبل الاتصاف يشهد الصورة وهي تعلمه بالكمال ملاحظة على سبيل الإشارة ، فيحصل له تردد ما على سبيل الشك لأنه لم يشهد الآن ، وقد يشهد الآن شيئا ، وقد خوطب بما سيكون ، فعدم قبوله بعينه لهذا الخطاب هو عدم قبول البحر في حكم الإرسال الأول ، فبعد هذا يحصل للشاهد يقينا بأنه لابد له من الكمال وهو افتقار ما يدركه الشاهد في ذاته ، فهذا اليقين الذي حصل له الآن هو الأمر الثاني ، وهو قوله : ( بلغه عني وقل له ) وهذا الأمر قد اصطحب تخويفا ، وهو تخويف الشاهد إن أراد الكمال ، وكأنه يقول له : في هذا الآن بلسان الغضب : لا تجزع فإنك ستقع فيما هو أشد خوفا وأكثر ظلمة فسر بإرادتي ، فإذا سمع الشاهد هذا الخطاب حصل
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 317
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٣١٧