له اليقين المذكور ، وهذا الإرسال المذكور كله على لسان النور مارّا إلى الحياة ، ومن حيث أن المرسل آن الإرسال يغيب عن المرسل ظاهرا آن قضاء الحاجة ، وغيبته هو إخفاؤه في الصخرة المذكورة التي هي الجزء الترابي الذي في جسم هذا الشاهد قيل له :
بلغه عني وقولي له ، لأنه في حكم الخطاب السابق كان مخاطبا للنور بلفظ التذكير ، لأننا قلنا : إنه استعمل النور على الصخرة آن إرادة الخطاب له ، ولأجل ظهور النور على الأجسام الكثيفة يخاطب بالتذكير لما فيه من الاستعلاء ومن حيث أن الكثيف سفلي خوطب بالتأنيث ، وقد جعل اللّه الذّكر قيوما على الأنثى والقيومية بمعنى الاستعلاء ، فلما كان هذا النور الموري عنه بالقمر عند الخطاب مستعليا على الصخرة المخاطبة بالتأنيث وجب أنه عند الغيبة التي هي الإرسال يكتمن لأنه متعلق بها من حيث قيام الأجسام بالعناصر الأربعة ، فعند هذه الغيبة ظهرت الصخرة على النور لأجل كمونة فيها ، فخوطب بالتذكير أولا قبل الكمون ، ثم عطف على الصخرة آن ظهورها فخاطبها بالتأنيث ، فهذا كيفية قوله :
( بلغه عني وقل له : إن تموج ، أو أظهر نفسه أو رمى بك على ساحله ، أو حجبك على ساحله ، أو حجبك عن حيتانه أسلط عليه دابة من دوابي تشربه ) يريد به أمرا منوطا بالتخويف ، وذلك صورة الإلقاء في العدم ، فإن التموج إن قلنا : إنه تهافت الحياة آن قدوم هذا الشاهد على الفناء ، وليس هو من شروط الحياة آن القدوم لكنه يقع على سبيل الفرض ، وقد أراد اللّه نفي هذا الفرض الذي هو التهافت عند ولوج هذا الشاهد فيها ، لئلا يحصل له الظهور أعني للبحر ، ولا الاستعلاء بعضه على بعض ، وقد سبق قوله : إنني أغار عليه ، فأرسل إليه قائلا : إن تموّج خرج عن حكمي وكذلك باقي الأوصاف إلى آخرها فأي شيء ارتكب منها سلطت عليه دابة « 1 » تشربه أي تخفيه عن كمونة في هذا الشاهد ، لأن كمونة زيادة حياة ، ومنعه موت عدمي النسبة ، وهذه هي الاسم المنتقم مع ظهور شيء من العزة ، فلا يمنع الكامل عن كماله لكنه « 2 » يخفي الحياة فيه إخفاء بحيز ، لئلا يظهر عنها منه فيض إلى شيء من الموجودات ، ولهذا يكون بعض الكاملين صاحب كرامة ، وبعضهم ليس كذلك ، ولا يكون صاحب الكرامة أكمل من الآخر ، لأن كليهما متصفان
هامش
( 1 ) ليست ( في ) موجودة في الأصل ، ولكن يقتضيها السياق .
( 2 ) هكذا في الأصل : لكان ، والأصح ( لكنه ) .