بمنزلة الكمون ، فكأنه يقول للنور الذاتي الموري عنه بالقمر : أكمن في ذات هذا العارف المتصفة بالحياة المعبر عنها بالبحر الأخضر عن أمري .
قوله : ( ولا يظهر إلا لحيتانه ) يريد بالحيتان مجموع العارفين الذين قد صدق عليهم سر الحياة ، وعادت أجسامهم ذاتية الصفة « 1 » ومعانيهم في اللطافة شبه الماء الصافي الموري عنه بالبحر الأخضر ، فعلى الحقيقة لا يظهر هذا النور الذاتي الموري عنه بالقمر إلا لهؤلاء الذين قد صدقت عليهم الحياة الحقيقية ، وقد عادوا فيها بمنزلة الحيتان ، فهذا النور لا يفتقر إلى التنبيه على الظهور لهؤلاء الموري عنهم بالحيتان إلا لأنه عرف باسم القمر ، والقمر قد جرت سنّة اللّه أنه يشهده عالم الظاهر كما يشهده عالم الخفاء الموري عنهم بالحيتان ، لكنه نبّه في هذا التنبيه أنه ليس في عالم الظاهر حقيقة فلما كان القمر مشهودا لهم قيل له :
لا يظهر إلا لحيتانه أي : لا يظهر باسمك النور الذاتي إلا لهذه الحيتان ، ولهذا لا يظهر في الظاهر إلا مسمى بالقمر ، بل لا يعلم أحد من عالم الظاهر أنه نور الذات في حال إطلاقها ، سوى الواحد المنفرد في العصر وهو أحد الحيتان .
قوله : ( ولا يخرج منه أبدا ) يريد بهذا الأمر كمون النور في ذات العارف المنفرد بغير ظهور إلى حين زواله المعهود ، فإنه لا يزول على الحقيقة ، وإن زال جسمه فيكون خفاء بالنسبة إلى الظاهرين ، فلأجل هذه النسبة يقوم مستخلف آخر مشهودا دائما بدوام اللّه تعالى ، فإلى هذا الدوام أشار بقوله : ( ولا يخرج منه أبدا ) يعني ما دام هذا العارف موجودا .
وقوله : ( يا أيها القمر قل للبحر الأخضر يضم عليك أكنافه عن أمري ولا يتموج ولا يتراكم ، فيسمع دويه وأنا أغار عليه ) أقول : مراده بهذا الخطاب إرسال أمر إلى الحياة على لسان القمر الموري عنه بنور الذات ، والبحر الأخضر هو الحياة الصافية ، فوقت كمال العارف يحصل المزاج بين هذه الحياة وبين النور الذاتي الموري عنه بالقمر ، وهذا المزاج بمنزلة الضم إلى حين كمون النور فعند هذا المزاج يحصل للعارف الفناء الحقيقي ، ولا يكون الفناء إلا بإخفاء النور وظهور الحياة المعبّر عنها بالبحر ، فكأنه أرسل إلى الحياة صورة هذا المزاج على لسان النور الذاتي المسمى بالقمر ، وهذا يكون قبل كمال العارف
هامش
( 1 ) الصفة : ما طلب المعنى كالعالم يقال له : رجل عالم ، فلأنه طلب العلم ، وهو المعنى الكاشف عن حقائق المعلومات كما هي .