اسم فاعل عن لسان الصخرة ، وذلك أن الشاهد المخاطب اسم مفعول بجزئه الترابي قد أخذ في اللطافة إلى جهة الاستعلاء ، لأن جزأه الترابي قد أخذ من الخطاب نصيبه واكتفى من حين غمره غمرة بالبحر ، ولما كان الغامر هو الماء وجب أن يخاطب كما خوطب الجزء الترابي ويكون هذا الخطاب على لسان القمر ليكون ترجمانا عن الماء ، وقد سمّت الحكماء الأقدمون الماء بالقمر رمزا لأجل مناسبة الرطوبة ، فكأن القمر في حال هذا الشهود ترجمانا عن الحياة التي يستمد منها كل شيء بالأمر وهو قوله : ( اطلع من بحر الغرب ) .
وقوله : ( اطلع من بحر الغرب ) يريد ببحر الغرب حياة الذات التي من صفتها الليل ، ولهذا كان القمر آية الليل إذ الذات هي الفياضة وهي المفاض عليها ففي حال كونها فياضة توصف بالشرق لأنه منبع النور ، وفي حال كونها مفاضا عليها تسمى غربا لأنه أخذ بغير عطاء إذ هو مفيض النور ، فلما كان الليل محل الجذب وهو متصف بأوصاف الغرب ، وكان القمر آيته قيل له : اخرج من بحر الغرب أي : من محل الأخذ المباين للعطاء لأن الليل لا يفيض الظلمة وإنما يفاض عليه النور آن ظهور الشمس التي هي ذات الفيض ، فمن حيث انتماؤه إلى الليل الموري عنه بالغرب لا يصدق عليه الفيض ولا العطاء بل يصدق عليه الجذب ولهذا كان نوره مستمدا من نور الشمس ، فبحر الغرب على الحقيقة هو محل الجذب والقبول بشرط الحياة ، وبحر الشرق هو محل العطاء والفيض بشرط الحياة أيضا ، فكأنه قال للقمر في حال هذا الخطاب : اخرج من محل الافتقار الموري عنه بالغرب وإظهاره بصفته التي هي الليل .
قوله : ( فإذا وأريت قبة أرين فاسقط فيها ) يريد بقبة أرين محل الاعتدال ، وقد قيل :
إنها بنيت بجزيرة ترنديب علامة لقطع الشمس في خط الاستواء ، وأخرى أن يكون موضع هذه القبة الحد « 1 » المشترك بين الحضرات كلها ، فهي مستودعة في الأولية والطالع الذي يمر عليها يجري في الحد إلى حيث الآخر ، والآخر هاهنا بمعنى الغرب وهي الصفة التي يظهر القمر فيها ، والأولية بمعنى الشرق وهي التي ينشأ عنها خط الاعتدال المار من الشرق إلى الغرب ، فإذا ظهر القمر من بحر الغرب الذي هو محل القبول من الذات يوازي هذه القبة التي هي محل الاعتدال ضرورة .
وقوله : ( فاسقط فيها ) لا فائدة فيه إلا امتثال الأمر ، وعدم الفائدة هو أنه إذا ظهر من
هامش
( 1 ) الحد : الفصل بينك وبينه ، لتقيدك وانحصارك في الزمان والمكان المحدودين .