تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
فقوله : ( كم قعدوا عليك ، قالت : النهار كله ) إشارة إلى الآن الذي حصل لهذا الشاهد فيه الكمال الذي هو حقيقة الوراثة ، والقاعدون هم الوارثون ، من عهد آدم عليه السلام إلى الآن الذي كمل فيه هذا الوارث ، ولهذا سألها بلفظ الجمع ، وقولها في جوابه النهار كله يشير إلى الآن كما قلناه وهو أن التقييد الذي مال فيه هذا الشاهد إلى الاتصاف لأنهم ما داموا قاعدين لم يتحقق لهم الاتصاف إلى حين الزوال لكنهم في حال القعود آخذون في طريق الاتصاف ، فإذا تحقق لهم الزوال كان عين الزوال هو حقيقة الاتصاف . وقوله : ( قال : والليل ؟ قالت له : فارقوني بالليل ) يريد به تمكين الاتصاف بالإطلاق في أنه الموري عنه بالليل ، لأنه لم يتحقق لهم هذا الاتصاف إلى حين ولوجهم في الظلمة ورجوعهم منها ، والرجوع هو عين مفارقة الصخرة التي يشبه نورها نور الليل ، لأن نورها لا يميز مثل نور الليل الذي لا يحكم له بأنه للتمييز ، وإن كان في ذاته مميز اسم فاعل فتميزه مثل تمييز الكثرة في حكم الإطلاق فيه ، أعني هذا الإطلاق يشهد الكثير واحدا ، والواحد كثيرا ، فمفارقة المتصف لعناصره المتمايزة يكون عند رجوعه من هذا الشهود ، ولهذا قالت : ( فارقوني بالليل ) أي : اتحدت بإخواني من العناصر ، وعاد الكل واحدا ، وفي هذا الحال « 1 » يفارق كل واحد من العناصر صاحبه لأجل الاتحاد .
هامش
( 1 ) الحال : ما يرد على القلب الأخذ في السير إلى اللّه من غير تعمد ولا اجتلاب ، وهو نعت إلهي كوني حيث أنه تعالى مع كونه واحد العين :كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ[ الرحمن : 29 ] . وأصغر الأيام الزمن الفرد ، وهذا أصل كونه نفيا كونيا فإن في الشؤون ، وعين تحول القلب بالأحوال . فإن أحوال القلب شؤونه ، ومن شرطه أن يزول في كل زمن فرد . يعقبه المثل إلى أن يصفو وينتهي إلى غايته ، فهو إلى عدم بفنائه زمانين : إما بتعاقب الأمثال ، أو بحكم تعاقب الضد ، ولذلك قال قدس سره : « وقد لا يعقبه المثل » كحال الفرح ، فإنه يستمر زمانين أو أكثر ، وينقطع فيعقبه الترح ، ومن هنا نشأ الخلاف بين القوم . - فمن أعقبه المثل : أي : رأى استمرار تعاقب الأمثال قال بدوامه . - ومن لم يعقبه المثل ، بل حول انقطاعه لورود ضده عليه ، قال بعدم دوامه . والحق أن حال الكون يتجدد مع الأنفاس ، ولا يبقى زمانين ، ولذلك قال تعالى فيمن يجهل ذلك :بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ[ ق : 15 ] . وقد قيل : الحال تغير الأوصاف على العبد ، كأنه يزيد ظهوره في السر ، والتحلي بالأخلاق الإلهية وأسرارها ، وذلك هو ظهور الآثار الخارقة من همته الفاعلة في الكون بالقوة الإلهية المستندة إلى الأسماء التي يتحقق العبد بها ، وتولى بعد تحققه التصرف بحسبها حتى ظهر في العالم بالهمة الفاعلة