تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
معدومة ثابتة موجودة يقينا عيانيا وإدراكا حقيقيا ، وكذلك العارف قبل معرفته ، فإذا ولج في مثل هذه الأوصاف التي هي من شروط الكمال تيقن أنه كان على غاية الجهل وإنكار أحادية الوجود الموري عن صفاتها بالبحر الأخضر ، فكأنه قال له في الخطاب المؤنث بلسان الصخرة في حال الزجر عند وقوع الإنكار : ( ألم تكوني التي آوى إليها الوارث ؟ ) وهو بعينه منكر البحر الأخضر أي الذي كان متصفا بأوصاف الجهل ، وهو الآن متصف بأوصاف المعرفة التي تتضمن الكمال . ( ص ) [ قوله : ( فخبرني ما آكل عليك ؟ قالت : الشطر ، قال لها : والشطر الآخر ، قالت : غاب في البحر ، قال : ميتا أو حيا قالت له : حيا ) ] . ( ش ) أقول : إن خطابه للصخرة بالتذكير إشارة إلى المتصف بها ، وهو المخاطب الشاهد ، فإنه من حين خوطب بلسان الصخرة حصل له الاتصاف بتحقيقها ، وهو لفظة الوراثة ، ثم إنه استعلى على أوصافه وعلمه استعلاء للذكور على الإناث ، وهو استعلاء استواء وقيوّمية ، وظهر بصفاته اللائقة بالاستعلاء ، واختفت أوصافه المخصوصة بالصخرة وهي التي مالت به إلى الهبوط النسبي حتى خوطب بالتأنيث ، فلما حصل له هذا الاستواء مقترنا بالاستعلاء كان نفس استعلائه رفع اسم التأنيث عنه إذ التأنيث من أسماء الذات ، وهو في حال استنطاقه بلسان الصخرة كان في خفاء يكاد يلحقه بالذات ، فلما حصل الاستعلاء ظهر تقييده واختفاء إطلاقه والاستعلاء والهبوط منوط بالتقييد ، فلمّا ظهر هذا التقييد عليه خوطب بالتذكير لأن التذكير ينشأ عن حقيقة التقييد ، والتأنيث ينشأ عن الذات المباينة لهذه الأوصاف ، فخطابه بالتذكير خطاب حقيقي ، ويلحظ منه في الظاهر تناقض ، وليس كذلك لأن نسبة معناه إلى ظاهره نسبة خافية ، لكن لا تناقض فيه ، وإنما لما سبق بالتأنيث في الخطاب الأول وكرر الخطاب مذكرا استبهم وهو ظاهر لأن الخطاب لواحد أولا وآخرا ، وموجب ذلك أنه ليس في عالم الباطن تذكير وتأنيث ، فلهذا ساغ أن يخاطب الشاهد بالتذكير والتأنيث لأجل اصطحابه للصفات الظاهرة إلى الباطن . وقوله : ( فخبرني ما آكل عليك ) بالتذكير امتحان للاتصاف على طريق الاستفهام لأنه يلحظ منه كأنه يقول له : خبرني هل اتصف بمجموع الأوصاف أم لا ؟ فقال لا في جوابه بالشطر ، لأنه قبل الوراثة كان متصف بالتقييد ، فعند الأكل اتصف بصفة الإطلاق نصف صفة الوجود وهو النصف المأكول ، فليس يرث آكل كبد أبيه منه سوى الإطلاق إذ كان الوارث قبل الوراثة موجودا وكل موجود مقيد ، فقد كان متصفا بالتقييد الذي هو
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 307 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية