تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
العلم ، فإذا تحول اللّه تعالى في صورة أخرى آن انتقال العارف حصل لها النفور ، لأجل الجهل بمعرفة اللّه ، والعجب أن هذه الصورة التي قد تحول اللّه فيها تشبه الصورة الأولى التي كان عليها أولا صورة ومعنى ، ومع ذلك يحصل لها النفور ونفورها هو بعينه نفور العارف في آن شهود المحو ، ولهذا من لم يكن مرادا للكمال ، رجع مسلوب العقل والمراد بالكمال لا يسلم من البهت والرعب والخوف مع حفظ عقله عليه ، لكن من حين يرجع يرفع عنه جميع الأوصاف المخوفة بهذه الزجرة ، فكأنه يقول له بلسان الحقيقة : ( ألم تكن ظل أبيك ) ، مرادا للمعرفة وفي الظاهر قال له بلسان التأنيث : ( ألم تكوني محل كل وارث أبيه ) وهو الموري عنه بأكل الكبد ، وهذا الخطاب ظاهره مناسب لباطنه ، وهذا الإرث إشارة إلى قوله صلى اللّه عليه وسلم في جواب اليهود : « إن أول طعام أهل الجنة زيت كبد حوت « 1 » » . لأن الحوت ينشأ في الماء ، وهؤلاء أعني أهل الجنة قد اتصفوا بحياة الأبد من حين بعثه اللّه إليهم من الحي إلى الحي ، وقد قلنا : إن الماء ممد الحياة ، فلما اتصفوا بالحياة اتصافا وجب أنهم يطعمون من دم الكثيفة التي تكونت في هذا الماء حتى يكون وصفهم بالحياة حقيقة ومعنى ، أمّا الحقيقة : فيجعل اللّه لهم بمراده أحياء ، وأمّا المعنى : فإرثهم حياة من اسم اللّه الحي الاتحاد الذي بينهم وبينه ، وهم آكلون لزيت الكبد حتى يتحقق لهم هذا الإرث عيانا ، ولا يتحقق الإرث إلا بأكل الدم ، وليس لنا عضو مكوّن للدم إلا الكبد ، فأكلهم لها تحقيق للاستمداد من اسم اللّه الحي عيانا . وقوله : ( مع منكر البحر الأخضر ) ، إشارة إلى نفور العارف في آن المحو لأن الخضرة للصفاء وهذا الشهود لا كدر فيه ، بل لا كثافة ليحصل لها التمييز ، لكنه لطف صرف ، ولهذا يوصف بالخضرة ، وأما توريته عنه بالبحر فلأنه إذا ولج الشاهد في حال إلقاء الجسد يقصر حفظه عن حصر ذلك الشهود حتى لا يجد له ابتداء ولا انتهاء وأيضا فإن الشاهد حّي مدرك بذاته إدراكا فقط ، والإدراك هو حقيقة الحياة ، فلهذا عبّر عن هذا الشهود الذي اقترن بالإنكار بالبحر الأخضر لأنه حي مدرك إدراكا لطيفا لا كدر فيه ، وهذا يحصل لكل عارف قبل الكمال ، وتسمية المرتبة الثانية الموري عنها بشهود المحو ، ومن قبلها كان الشاهد ينكرها إنكار عدم ، ومضادة الإنكار وجود وخفاء ، لأن غير العارف لا يتيقن أن هذه الموجودات فانية معدومة بل يتيقن أن هذه الموجودات فانية
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1433 ) وأحمد في المسند ( 3 / 27 ) ، والطيالسي ( 1 / 273 ) .