يصغون إلى كل عارف يتيقنون أنهم علمه فهم سالكون في طلب السر وهو ما وراء القلب ، وأما العباد المشتغلون بخفي السر عن السر فهم الذين حققوا الاسم الباطن مستودعون في الظاهر استيداع خفاء وله ويؤنس فيهم الاستيحاش والنفور ، فهم متصلون بالغيب « 1 » عن الشهادة وهم شاهدون للّه دائما شهودا صوريا ، وأما التائهون فهم الذين تستشرف أنفسهم إلى التوحيد والمعرفة ، فهم تاركون المعاش رغبة في المعاد ، فسبب شهادتهم طلبهم للّه بجهة دون جهة ، فيقصدون الوقوف على سر الوجود ويشهدون الوجود يفتقر بعضه إلى بعض خصوصا إن قلّدوا في علم التوحيد ، فيحصل لهم الحيرة وزيادة على صفتهم من التيه وغيره ، فهم حائرون مشتغلون بالحيرة وعقولهم تائهة في بحر المعرفة الذي قد ارتج بابه دونهم لاستقلالهم بجهة دون جهة ، فهذا للشاهد ليس من هؤلاء العباد المذكورين ، وإن كان نسبه إليهم فاللائق به أن يكون من المشتغلين بالقلم عن الساق إذ أولئك فاعلون للعلم وهم على قلب فاعل المعلومات الذي هو الاسم المصور حقيقة ، وهذا الشاهد من أجل تفرده في الوجود هو الفاعل فيه إلى نسبة مراده ،
هامش
الطبيعية عن وجود القوى وقمع دواعي الهوى حتى تنفعل القوى من نور القلب فيقبل إلى الحق فتنفتح للسالك أبواب : وهي مشتركة في كونها انفعالات عن النور القدسي وتنورات للردع النفسي تصير النفس بها لوامة بعد أن كانت أمارة بالسوء .
( 1 ) الغيب : ما ستره الحق منك لا منه ، فإن الغيوب كلها عنده شهادة .
عالم الأمر : ما وجد عن الحق من غير سبب ، يريد به عالم العقل الأول ، فإن كل ما وجد بسببه ، أو بسبب غير موجود فيه بوجود ، قابل سببا ، فإنه مادة الجمع ، وقدره شجرتهم .
عالم الخلق : ما وجد عن سبب . ويطلق أيضا ، بإزاء عالم الشهادة العارف والمعرفة ، من أشهده اللّه تعالى نفسه في بينونة جامعة بين الظاهر والباطن ، فظهرت عليه الأحوال من آفاق الوجود ، ودارت عليه أفلاكها .
والمعرفة حاله ، فإنه عرف كل شيء بعينه في مرتبة ذاته ، حيث أنه كل شؤون الذات المشهودة له ، وقد يكون هذا الاشهاد في آن واحد ، بشهود واحد ، وهو شهادة المفصل في المجمل مفصلا ، العالم والعلم ، ومن أشهده اللّه ألوهيته وذاته معا ، من غير مزاحمة الكثرة النسبية الأسمائية ، والوحدة الذاتية ، وبالعكس ، فيتحقق إذا في وسطه ، تتمانع فيه الأحوال الجمة ، فلم يظهر عليه حال يفيده بحلمه قسرا ، والعلم حالتئذ حاله يعلم أحوال الوجود ، إذ ذاك ، على ما هي عليه من حيث أن حكمه الوسطي إليها على السواء .