ظهر يريد به ظهور صدور الأمر ، لأن هذا الرسول المأمور كان مبعثه رحمانيا ، والوجود صادر عن الرحمة ، فالأنفس من حيث نشأتها تجنح إلى كل ما يصدر عنها ، فتتحد به اتحاد مماثلة وتمتزج الرحمة ما تقدم منها بما تأخر ممازجة استدارة ، والممازجة والاتحاد يفتقرون إلى الجلال إذ الجلال جمال متمكن ، والجمال مراد للتأليف وقطع النفور والرحمة سببه ، فلما كانت الرحمة مبتدأ الظهور وظهورها مرة ثانية ختاما لهذا الظهور افتقرنا في الظهور الثاني إلى الجلال المؤلف ، وهو عند ظهور محمد صلى اللّه عليه وسلم فلما ظهر بالرحمة بان الأمر ، وأراد اللّه لها الممازجة بالنشأة الأولى كان الأمر المراد للممازجة صادرا من حضرة الجلال لئلا يقع النفور من المنذرين ، فكان الأمر الذي أتى به صادرا عن الصورة المعبر عن ظهورها بكشف الساق ، والرسول تحقق الربوبية اضطرارا ، ولهذا يلتزم الصدر ويقر بأنه عبد محكوم عليه ، فإذا تحقق الرب منّزها عن مماثلة الخلق كان الخلق موجودا مع الرب ليتحقق له التنزيه فصدوره من حضرة الجلال صدور الخصوص بالرسول إذ هو مستقرها بإثبات فاعل ومفعول ، وصدوره حقيقة البعثة وإلى حيث استقراره في صورته تحقق له الأنوار .
وقوله : ( فاحذره إذا بدا ) يريد به براءة حقيقة الكامل عن الثنوية ، فإذا بدا في الصورة الموري عن ظهورها بكشف الساق ثبتت الثنوية المباينة لحقيقة العارف ، فتحذيره مأمورا هو مباينة ضدية لا تحذير خوف إذ حقيقته من حيث أحديتها تباين الثنوية ، فكأنه قال له : إذا بدت لك الثنوية ، فيجب أن تضادها بالأحدية .
( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : إن استمسكت به كلمتك ، ووجدك الحبيب مصاحبي ) ] .
( ش ) أقول : هذا معنى ظاهر ضروري وذلك أنه إذا ظهرت صورة اللّه لأحد لا يبعد أنها تخاطبه ، لأن الخطاب لا يكون إلا بين اثنين كما قلناه مرارا ، والاستمساك هاهنا هو الترقب لشهود الصورة الموري عن ظهورها بالساق ، فكأنه قال : إذا ترقبت رؤية صورتي كلمتك ، وهذا مما حصل للشيخ رحمه اللّه قبل كماله قوله : ( ووجدك الحبيب مصاحبي ) الحبيب هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فاشتراككما هاهنا في الصحبة لإثبات رب ومربوب ، لأن جبلة الرسول تقتضي هذا الإثبات ، فلما قال في الخطاب السابق : ( إن استمسكت به كلمتك ) كان جواب الشرط إرادة إثبات ، فإذا وجد مصاحبا ثانيا قطع بالمثلية لوجود مثبت آخر معه ومنه قوله :
« نحن معاشر الأنبياء »
فلما قطع بأن معه أنبياء مثبتين لرب ومربوب قطع بالمماثلة تيقن رضا ، فلما كان هذا الشاهد مخاطبا لربه وخطابه له من محل بعثة الأنبياء ، قيل له :
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 292
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٩٢