ذاته من حيث هو لا ينحصر ليتصور ويشهد في مكان ، وإنما ظهوره بالصورة هاهنا من جملة المظاهر ، وهذه الصورة هي التي فيها النزول في الثلث الآخر من الليل ، لأن ذاته الحقيقية بريئة عن التصوير والتمثيل لكنها من حيث هي تحتوي على صفتي إطلاق وتقييد ، فالإطلاق لا يظهر به أبدا لبراءته هناك عن الثنوية والتقييد هو الذي يظهر فيه بالصورة المذكورة ، فلما كانت ذاته تحتوي على هاتين الصفتين كان الظهور بالتقييد هو نصف الظهور الحقيقي ، فإذا كشف عن ساق كان قد ظهر بالصورة كما قلناه وهو نصف الظهور الحقيقي ، فهذا الشاهد قد حصل له هذا الشهود ، وقد اتصف اللّه تعالى له بالصورة التي يظهر فيها عند كشف الساق ، وقد شهد هذا الحضور نورانيا شبه نورانية الآخر ، فهذه كلها دلائل على أنه قد حصل له هذا الشهود في الحد الموري عنه بالبرزخية والظلمة المنسوبة إليه ، وهذه الظلمة تنتقل مع المبعوثين إلى الموقف حتى لا يشهد بعضهم بعضا في حال السير وأيضا في حال تبديل الأراضين والسماوات ، فكل هذه صفات مخوفة مهولة لا يشهدها إلا الذي لا يطرأ عليه الخوف « 1 » تعالى ، فلما كان النازلون بالبرزخ « 2 » في ظلمة كان شهود بعضهم لبعض إدراكا ، فعند القيام وإرادة السير اصطحبت هؤلاء الظلمة حاملين لها إلى حيث الوقوف آن التبديل فصاروا محمولين عليها وحملهم باصطحاب شيء من اللطافة ، لأنهم آخذون إلى الآخر والآخر عالم لطف ، فقد حصل لهذا الشاهد هذا الشهود وهو في هذه الظلمة المذكورة قبل انتقالها حين استقرارها في البرزخ الذي هو الحد ، وشهد كيفية كشف الساق في نور ليتميز من الظلمة المذكورة إذ الظلمة ضد النور والضدان لا يجتمعان ، وهذا النور يشتمل على الاسم الآخر كله قائما بصفة التقييد المباينة للإطلاق ، وهذه الصفة هي ظهور اللّه بمجموع أسمائه ، ولهذا أطلق الشارع صلى اللّه عليه وسلم على هذا الظهور هذا الاسم .
وقوله : ( وطلوع نجم الدعاء ) يريد به قوله تعالى :
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
[ القلم : 42 ] ، فطالع الدعاء الذي هو النّجم بنسبة نورانية الساق
هامش
( 1 ) الخوف : ما يحذر من المكروه في المستأنف أي المستقبل ، وجاز أن يتعلق بالماضي حيث يتذكر فواته في سيئات أعماله .
( 2 ) البرزخ : العالم المشهود بين عالم المعاني المجردة والأجسام المادية ، وإنما قال : العالم المشهود ، فإنه إنما يظهر على المشاعر عند تمثله بالصور ، وقبله ، وبعده ، ولكن هذه المشاهدة مختصة بأهل الولاية ، إذ من شأنهم رؤية الجبال المتصلة نقطة .