الأمر ينشأ من حقيقة الربوبية ، ولأن الأمر يشترط أن يكون حاكما والمأمور والمنذرين محكوم عليهم طبعا من غير تعمل ، وليس لنا من الأسماء أشد من حكم الرب بل لحكم الإله قهرا سلم إليه أو لم يسلم ، فوجب لظهور حكم هذا الاسم أن يكون الأمر ناشئا عنه ، ومنه بعثة الرسل من غير تعمّل لكنه طبعا وخصوصا من اللّه تعالى ، وليس أمر الأولياء كأمر الرسل لأن الرسل عباد ويمتازون بالخصوص ، والولي عبد بغير خصوص بعثة ، وإن كان مختصا بالولاية لكن الولاية غير النبوة ، فبعثة الرسل بالاختصاص ، وبعثة العارف بالعبودية فقط ، لأن في كمال العارف لابد أن يحكم عليه حكما ما ، والأولى أن يكون الحاكم هو الرب والموجودات كلها مربوبة ، فلاتصاف هذا العارف بمجموعها ، وجب الحكم عليه وهو الذي أفضى به أن يؤمر ، فظهور الولي بهذا الأمر ، وهو قوله : ( بلغ عني ) يكون استمدادا من ظهور الأنبياء ، وكلاهما مختصان لكن خصوص الولي يباين خصوص الرسل إذ هم مختصون بصفة التقييد والولي يختص بصفة الإطلاق ، وكل واحدة من هاتين الصفتين تضاد الأخرى ولا يعرف ما قلناه هاهنا إلا أوحد وقته متفرد في عصره والرسل والأولياء مشتركون في العبودية ، فلما حصل هذا الاشتراك ، وكانت الرسل في الظهور أمكن ، فوجب أن يكون استمداد ظهور الأولياء منهم ، لأجل المشاركة في العبودية ، ونقول هذا لأجل السبق علينا ، وأيضا لسنا مجبورين على هذا القول لكنها موارد ترد علينا ، ونحن قادرون على إخفائه ، فلو أردنا إخفاءه لأخفيناه فلا يظن ظان أننا خائفون مما نقول لجعلنا الأنبياء ممدين والأولياء مستمدين ، فلا يظن أحد بنا أن لنا في الرسالة قدم نتكاتمه فيما بيننا خوفا وتواطئا ، كلا ، واللّه ، لو كان ذلك لأظهرناه مباحا على ألسن العوام ، واللّه من ورائنا يعصمنا كما عصم من قبلنا من الرسل ، وإننا لا نرتضي لأنفسنا التجلي بما ليس لنا فإننا اختصصنا بالخلافة ، والمقابلة ، والمماثلة ، والاقتسام ، والاتصاف دون غيرنا من العباد ، فكيف نرتضي بعد هذه الأوصاف لأنفسنا بالاتصاف بما ليس هو لنا مما هو دون ما ذكرناه بل لا نسبة له إليه بالوجه مع إننا حققنا ما أتت به الرسل وعرفنا اختصاصهم به دون غيرهم من المخلوقات معرفة تحقيق ويقين وعرفنا لمية ختم محمد صلى اللّه عليه وسلم للأنبياء ، ومن أين مبعثه ؟ وإلى أين يعتري دائرة بعثته ؟ وكيفية توكله بالزمان وصورة نشأته أولا في العلم ، فكل هذه صفات تختص روحنا فيها ، ووضعناها في محلها ، وعرفنا كيفية المباينة بيننا وبينهم ، فلو أن هذه الأوصاف المختصة بهم من جملة أوصافنا لظهرنا بها ناطقين متمكنين معصومين من الخطأ والزلل بقدرة الوهاب الذي قسم لكل قوم ما سبق لهم واختص بهم كما أراد ، فأمر العارف أمر عبودية وإباحة وتمكين وأمر الرسل أمر خصوص فقط ينشأ عن القهر والقهر اختيارا وإخبارا ، فأين قوله : ( قل ) إلى
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 284
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٨٤