تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
والتكثر الظاهر إذ التكثر أظهر من الأحدية عند الأبصار ولهذا كانت قاصرة عن النفوذ الإدراكي فيما بعد عنها والأحدية للعقل أظهر من التكثر ولهذا كانت الأحدية لا يشهدها إلا ذو عقل ، ومن هاهنا شهد كثير من العقلاء بأحدية الوجود ، فلقرب العقل من هذه الأحدية واشتراكهما في الخفاء يدركها صاحب العقل دون غيره من الحيوانات ، ولأجل حكم العقل على التكثّر حصلت له الحيرة لأنه يدرك الأحدية ويحكم بالكثرة ، ولأجل تمكين اليقين بالقرب والبعد كانت الأبصار قاصرة عما بعد عنها وكل هذا موجبه التكثّر . وقوله : ( والقلوب في عماية والعالمون في تيه الحيرة تائهون ) ، يريدون به معنى ما ذكرناه من حيرة العقل وقصور البصر ، فإن القلب في حكم إدراك المعاني ، فهو العقل بعينه ، ومعنى قصور الأبصار هو معنى قوله : ( والعالمون في تيه الحيرة ) لأن منهم من شهد هذه الأحدية وباح بما شهد ، فوقعت الحيرة لمن لم يشهدها . ( ص ) [ قوله : ( الألباب حائرة عن إدراك أدنى سر من جلي كبريائي ، فكيف يحيطها ) ] . ( ش ) أقول : يريد بهذا المعنى ما تقدم في قوله : الأبصار قاصرة ، والعقول حائرة ، فإن الألباب هي العقول وعدم إدراكها ليس من أسرار كبريائه التي هي الحيرة ، لأنها شاهدة للأسرار ، ولا يقدر على الإحاطة بها ، بل ولا بواحد منها . ( ص ) [ وقوله : ( عملكم هباء منثور ، وصفاتكم عدم ، وحقيقتكم مجاز في ركن وجودي ) ] . ( ش ) أقول : يريد بهذا الخطاب خصوص اللّه تعالى بالأفعال ويظهر فيه حقيقة فناء الكثرة ، فالعمل هاهنا هو الأفعال ، والهباء هو الشيء الذي لا أصغر منه جسما وقدرا ، فلما كانت الأفعال للّه بواسطة القدرة كانت عند دعوى العبد بها هباء منثورا إذ ليست منسوبة إليه ، لكنها إنما تظهر فيه ، فلما كان العبد محلا لمظهرها كانت حقيقته حقيقة الهباء ونسبتها إليه نسبة محله هو . والحاصل منه : إنه ليس لعملكم سوى نظره وليس له نتيجة . وقوله : ( وصفاتكم عدم ) يشير به إلى تفرد اللّه بالصفات والأسماء فعلى تقدير وجود العبد معه لا صفة له ، وعلى تقدير فنائه في ذات اللّه يكون متصفا بالأسماء والصفات ، فهذا الخطاب وارد على تقدير وجود العبد مع الرب ، وهذا الخطاب قد حصل لهذا الشاهد وهو حاصر لجمعية الوجود وناطق بمجموع ألسنتها والكثرة في ذاته ظاهرة الحقائق