يعلمها إلا هو دون المتصف بأضدادها .
وقوله : ( لو علم علمي وإرادتي وجميع صفاتي ) ، يريد بهذا الخطاب نفي الثنوية ولا تنتفي الثنوية ما دام مخاطبا ، فكأنه يقول ولو علم الشاهد علمي وجميع صفاتي أي : اتصف به وبها حتى انفرد صورة ، كنت أنا العالم بالجلال والجمال دونه لأنه متى انفرد صار شاهدا لمشهود ، والنفور ممكن لصفة الشهود فيظهر المشهود بأضداد النفور ، وهذا في إثبات الثنوية بقوله : ( انفردت أنا ) وأما في قوله : ( لو علم علمي ومجموع صفاتي ) ، نفي لهذه الصفات المختصة بالثنوية بل عدمها ، وإذا كانت معدومة فهي فانية في ذات الواحد ، فإذا ظهرت الأحدية فلا ثاني يعلم دون الواحد تعالى فحق له التفرد سواء إن كان شاهدا أو كان هو المشهود ، فمتى حصلت الأحدية حصل التفرد اضطرارا .
( ص ) [ وقوله : ( إذ ليس لها جمع ولا يأخذها حد لم أكن إلها ولا كنت خالقا ، فكل تنزيه تنزهني عليك يعود ، فإنما يبعد عن النقائص ، ويقدس عنها من اتهمت فيه أو جوزت عليه ) ] .
( ش ) أقول : معنى قوله : ( إذ ليس لها جمع ولا يأخذها حد ) إشارة إلى فناء الصفات فإنها إذا فنيت لا يطلق عليها الجمعية ولا التحديد ، وإن كانت في ذات المسمى بها متكثرة لا يحصيها إلا هو فإذا تعقلنا فناءها تعقلا إدراكيا برئت عن التحديد والتمييز ، وإطلاق الجمعية إلى غير ذلك ، فكأنه قال لا يعلم أحد كنه صفاتي ولا يحصيها عددا إذ لا يدخل تحت الحصر ليطلق عليها التحديد والجمعية ، ولو علمها لم أكن إلها هذا إشارة إلى التفرد بصفات الجلال والجمال ، فعين هذا التفرد هو عين تخصيصه بالألوهية والخلق .
فقوله : ( لم أكن إلها ولا كنت خالقا ) إشارة إلى التفرد المذكور والبراءة عن الثنوية بواسطة خصوصه بالخلق ، فلو اتصف أحد بهذه الأوصاف كان له في أفعاله تعالى مشاركا وهو بريء عن الشركة والمثل .
وقوله : ( فكل تنزيه تنزهني عليك يعود ) يريد به إظهار حقيقة فناء هذا الشاهد فإنه بواسطة الفناء التحق بالهوية والأحدية واتصف بالإطلاق وصار مسبحا ومقدسا وممجدا كما ذكر ، فمتى نزه المفني كان الفاني قد تنزه ، فإذا نزه العارف ذات اللّه يكون قد نزّه نفسه لأجل فناء حقيقته في ذات المنزه ، وكذلك أي صفة وصفه بها منفرد ، وأي اسم سمّاه به فإنما سمى به ذاته ، والعائد من التنزيه عليه هو ما يظهر به من الأفعال ، فإنه إذا سمي المنزه بالرحمن ظهرت عليه صفات الرحمة وعاد رحيما ، ومثل هذا قال تعالى :
بِالْمُؤْمِنِينَ