رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 182 ] وكذلك التنزيه فإنه تعالى إذا نزهه العارف عادت صفات التنزيه على المنزه وصار مستعليا بريئا عن المثل .
وقوله : ( فإنما يبعد عن النقائص ويقدس عنها من اتهمت فيه أو جوزت عليه ) ، يريد به تأييد ما ذكرناه من تنزيه العارف لنفسه حال تنزيهه للرب تعالى ويؤيد ما ذكره بقوله : ( عليك يعود ) ، فلما كان الشاهد متهما بالنقائص وهي مجوزة عليه افتقر إلى التنزيه ليبرأ عن الصفات المذكورة ، واللّه هاهنا لا يفتقر إلى التنزيه لأن صفات النقائص لا تطرأ عليه ولا تتوهم فيه ، لكن في هذا الخطاب معنى خافيا يلحظ من ظاهره تناقضا ما ، وليس كذلك ، وذلك إنه قال له قبل هذا الخطاب : إن كل تنزيه تنزهني عليك يعود ، وقال هاهنا :
إنما ينزه عن النقائص من اتهمت فيه وجوزت عليه فيلحظ من قوله هذا في ظاهره لا تنزهني إذ ليس في من صفات النقص شيء وفي باطنه نزه نفسك ، فإنك متهم بصفة النقائص ، وإذا تنزهت كنت أنت المنزه بقوله : ( كل تنزيه تنزهني ) ، فإنه إذا تنزه ، فإن كان المفني قد تنزه ، فلا نقص .
( ص ) [ وقوله : ( تعاليت في نفسي لنفسي علوا كبيرا لا يدرك ولا يحس ، الأبصار قاصرة والعقول حائرة ، والقلوب في عماية والعالمون في تيه الحيرة تائهون ) ] .
( ش ) أقول : إنه يشير في هذا الخطاب إلى أحد الوجود وفنائه في ذات اللّه تعالى في قوله : ( تعاليت في نفسي لنفسي ) ، فإن نفسه أي ذاته هي المستعلية وهي المنزه لاسم الفاعل حتى يصدق هذا الاستعلاء الذي لا يدركه إلا ذاته .
فقوله : ( في نفسي ) أي : لا يدرك هذا الاستعلاء غيري .
وقوله : ( لنفسي ) أي : استغنيت عن البعض واستأثرت في البعض .
قوله : ( علوا ) أي : بواسطة المنزهين حصل لي هذا الاستعلاء .
قوله : ( كبيرا ) أي : محيطا بريئا عن المثل .
وقوله : ( لا يدرك ولا يحس ) يشير به إلى الإحاطة المذكورة ، فإن المحاط لا يدرك المحيط عقلا ، ولا بصرا ، وكذلك لا يحس لاشتماله على الأشياء المتجزئة ، وهي من حيث تجزئها لا يحس ببعضها على تقدير القرب « 1 » والبعد ، فكيف يحس المحيط بها وقوله :
هامش
( 1 ) القرب : القيام بالطاعة .
القرب المصطلح ، هو قرب العبد من اللّه تعالى بكل ما يعطيه من السعادة ، لا قرب الحق من العبد ، فإنه