بهذه الأوصاف والنعوت يقينا ، وهل ظهرت ليقينه عيانا فكأنه قال له : أوجدت فيك من الأوصاف ما تتيقنه وتنطق به وتقدر على إظهاره في حضرتي ، فكل هذه صفات تنشأ عن الإرادة يلحظ منها الإعلام وهي مراده للامتحان بالإرادة .
( ص ) [ قوله : ( فغاية معرفتك على قدر ما وهبتك ، فما عرفت إلا نفسك انفردت أنا بصفات الجلال والجمال لا يعلمها أحد غيري ، لو علم علمي وإرادتي وجميع صفاتي ) ] .
( ش ) أقول : إن معناه وهو مراد واحد لكل عارف يظهر في عصره وهي إرادة اللّه تعالى وأيضا فإنه يلحظ منه إظهار حقيقة المقابلة التي هي صورة انطباع الذات في المرآة ، فإن هذه أوصاف مكمنة في ذاته إلى حين كمال درايته ، فإنها تظهر له عيانا وظهورها في حال إرادة الكمال ، فظهورها من جملة الشروط ، ووهب الفناء يشتمل عليها كلها ، وغاية المعرفة التيقن بالفناء والعبارة عما أكمن في الذات المفنية مما أريد له الفيض .
وقوله : ( فما عرفت إلا نفسك ) يريد به إظهار أحدية الوجود في ذاته ، فإنه إذا تيقن بالاتصاف كان قد عرف نفسه ، ونفسه مجموع الوجود ، هذا بعد تيقنه بفنائه في الذات ، وهذا مثل قوله :
« من عرف نفسه فقد عرف ربه »
، فإذا تيقن أنه متصف بمجموع الوجود وشهد فناءه في ذات اللّه عيانا كان قد عرف نفسه بمعرفة اللّه حقيقة .
وقوله : ( انفردت أنا بصفات الجلال والجمال ) لأنها صفات تقتضي الثنوية حتى يظهر أحكامها على الاثنين ، فإن صفات الجلال والجمال هي صفات القبول والجذب ، والجذب لا يكون إلا بين جاذب ومجذوب ، وكذلك القبول ، فلما نطق بالأنانية أراد به إثبات الثنوية بين الشاهد والمشهود لي بالانفراد بهذه الصفات قلّما يشهد إلا فيها ليقع القبول من الشاهد ، فلو لا تجليه فيها لحصل للشاهد النفور كما يحصل للعباد من الإنكار للرب يوم القيامة ، ويستعاذ منه ، كما ورد في الحديث الصحيح ، فلما كان من جملة صفات اللّه الجلال والجمال اختصت به ليظهر في إظهار حكم الثنوية إذ الثنوية منوطة بها كما قلناه ، فتفرده بها وخصوصه بقوله : ( أنا ) فقط .
وقوله : ( لا يعلمها أحد غيري ) هو المعنى السابق بعينه ، فإنها لا تشهد إلا عند وجود الثنوية ، وإذا حصلت الثنوية علمها المشهود دون الشاهد لأنه هو الظاهر بها ، إذ من صفات الشاهد النفور وإن لم يظهر ذلك عليه ، وليس هو من صفات الشهود إذ لا يصدق عليه النفور ، فباتصافه بالصفات المذكورة التي هي صفات الجلال والجمال لا
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 276
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٧٦