تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
( ص ) [ ( قوله : فأنت أسمائي ودليل ذاتي ، فذاتك ذاتي وصفاتك صفاتي ، فابرز في وجودي عني ، تخاطبهم بلساني وهم لا يشعرون ) ] . ( ش ) أقول : يريد بهذا التنزل إظهار حقيقة أحدية الوجود ، وقيام اسم الرب بواسطة العبودية ، فهذا افتقار البعض إلى البعض ، وحقيقة المنتقم إذ لو لم يكن كافرا لما تحقق الانتقام ، وفي هذا المعنى قال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] ، فالرسول يبين حقيقة المؤمن والكافر ، ويتحققها اسمان في ذات اللّه تعالى وهما الرحمة والانتقام ، فكل هذه الأسماء نشأتها من الإنسان أي : تحقيق ذواتها من اسم الربوبية إلى غير ذلك ، ومثل هذا قال رحمة اللّه في كتابه المسمى بفصوص الحكم : « فلولاه ولولانا لما كنا ولا كانا » أي : لولاه لم يكن إذ هو الموجد ولولانا لما تحققت أسماؤه وأسماؤه دالة على ذاته ، وهذا معنى قوله : أنت أسمائي ، ودليل ذاتي ، فمن حيث ظهر بالموجودات تحققت له الأسماء والصفات ، وكل نوع من الموجودات ، بل كل شخص منفرد بذاته ، وكل معنى جار على ألسن الموجودات بل كل لفظ سواء كان له معنى أو لم يكن له هو اسم اللّه تعالى ، ولهذا كانت أسماؤه لا تتناهى ، وأيضا فإنه بواسطة وجودنا نطق اللّه بأسمائه على ألسنتنا تعريفا ، فلو لا الموجودات لما كان هذا النطق ولا هذا التعريف ، فواسطة الفعل هي حقيقة نشأته والموجودات وسائط في ظهور الأسماء ، فهي حقائقها على الإطلاق . قوله : ( ودليل ذاتي ) يريد به دلالة الاسم على الذات ، فإننا لولا الأسماء وأفعالها لما عرفنا هذه الذات الفعّالة ، وأيضا فإنه لما خلق الإنسان على هذه الهيئة ، وركب هذا التركيب ، وجعل مخوفا لا خائفا ، وعلا على أمثاله في الوجود وأودع فيه الكمال الإنساني الذي لا يماثله شيء عرفنا أنه دليل على الذات سيما وقد أيّد بكونه مخلوقا على الصورة ، فهذه كلها دلائل مستودعة في الإنسان على الذات . قوله : ( وصفاتك صفاتي ) يريد به تخصيص العارف بالمقابلة التي هي المواراة ، فإن الإنسان والصفات قد اقتسمهما المتقابلان ، فهي بجمعيتها لكل واحد منهما سهما ، والواحد منهما يفني الآخر ، ففي حال انفرادهما يكونان مقتسمين ، والكل لكل واحد منهما ، وعند فناء أحدهما ينفرد الآخر بالأسماء والصفات ، ففي قوله : ( أنت ) دليل على المقابلة ، والاقتسام ، وعدم فناء أحدهما وأيضا فإن أسماء الإنسان التي يظهر أفعالها هي منتزعة من أسماء اللّه مثل قوله تعالى :
بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 128 ] ، وقد وصف الإنسان بالرحمة ، والرأفة ، وصفاته هي صفات اللّه بعينها ، والخصوص للعارف
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 270 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية