وقوله : ( فكيف تقدر قدرك ) إشارة إلى محالة حصره بعد الإطلاق لأنه ضده بالحقيقة ، والأضداد هاهنا لا تجتمع .
وقوله : ( فإذا عجزت ويحق لك العجز أن تقدر قدرك ) يريد به حقيقة ذلّة الحصر وعدم القدرة فيه من حيث كونه مربوبا إلى غير ذلك ، فكل مقيد متصف بالعجز من حيث تقييده ، وعدم نفوده في المقيدات الجسمانية فهو من حيث كونه مقيدا متصفا بهذه الأوصاف المذكورة من الذلة والحصر وعدم القدرة ، ومن شروط المقيدات أن لا يقدر على أضداد هذه الأوصاف ، ولهذا حقق له العجز ومن أجل تمكين هذه الصفات في المقيدات يجب لها أن لا يطلب ما لا قدرة عليه ، وليس في طباعها إذا كانت شروط تقييدها ظاهرة عليها قد أشار إليه الشيخ الإمام العالم أبو طالب المكي في تفسير قوله تعالى لنبيه نوح عليه السلام :
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
[ هود : 46 ] .
قال الشيخ : وهل يسأل أحد ما لا علم له به ؟ فعلمنا أن مراد اللّه تعالى بذلك النهي عن السؤال عما ليس في مقدور الإنسان ولا في طباعه إذ هي أضداد حاله والأضداد هاهنا لا تجتمع ، فإذا كان من شروط المقيدات عدم الطاقة والقدرة ، فيجب لها أنها لا تروم الوقوف على ضدها وهو قدر اللّه المذكور ، فإن المقيد لا يطيق حمل قدر المطلق البريء عن الحصر والتقييد ، ولا يحصل هذا لبعض المقيدات إلا اتصافا طبيعيا لا علما واطلاعا قال اللّه تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] .
وقوله : ( ولا تطلب قدري فإنك لن تدركه ) إشارة إلى الأدب الناشئ عن الأمر وهذا بلحظ منه أن له قدرة ما ، فإنه من شروط الأدب معيّة القدرة ، لكنه لما ذكر العجز عرفنا أن عدم القدرة هاهنا ليس مقرونا بالأدب ، وإنما اقترن به اقترانا في حال الأمر ، فقدر اللّه هو الذي لا يطيقه عجزا عنه وهو قدره بعينه ، وهو الذي يتناهى فلا يدرك قدر اللّه ما دام مقيدا .
قوله : ( وأنت أكرم موجود في علمي ) يشير به إلى القيام المخصوص بالأمر ، فإنه لما قام بالأمر المشار إلى الأحرف فيه شهد اللّه له أنه أكرم موجود في العلم وأكرم موجود أي : أفضل موجود لما خصصتك به دون ما وسعه علم من الموجودات .
( ص ) [ ( قوله : ثم قال لي : اعلم أن قلب العارف يمر عليه سبعين ألف سر من أسرار جلالي لا يعودون إليه أبدا لو انكشف سر منها لمن هو في غير ذلك المقام أحرقه ) ] .
( ش ) أقول : مراده بمطلق هذا الخطاب إشارة إلى ما وسع قلب العارف من الأسرار ، فإنه إذا كان قد وسع ربه بدليل الحديث وأسرار معرفة اللّه لا تتناهى ، فلا تحصر ،