تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
لأنه من حين فتق العماء بالنور تميزت فيه صورة الكامل تمييزا انطباعيا ، فكان النور للّه بمنزلة المرآة ، والكامل هو المنطبع فيها وهو صورة اللّه ، ومن هاهنا قيل : إن آدم مخلوق على الصورة ، فلما تحقق هذا الانطباع ، وتميزت صورة المنطبع من صورة الناظر في المرآة ، وأراد اللّه تعالى فيض الأشياء بالمشيئة على سبيل الظهور بها ، فأول مظهر ظهر به كانت الحياة ، ودفعها إلى المنطبع الذي هو الكامل حتى يتصف بالإدراك ثم إنه يتخلف بين المنطبع والناظر خلاء ، فظهر بمظهر خاف حي حساس وجعله كالسبيل تمر المظاهر عليه من اللّه إلى الكامل ، لكنه صورة كاملة مختصرة من الحياة فقط وجعلها تعالى ملء الخلاء الذي بينه وبين المرآة ، فهي موجودة دائمة بوجود الظهور ، ولأجل ثبوتها أطلقنا عليها اسم الواقف لأجل براءتها عن الزوال ، ثم إنه أخذ تعالى في الظهور ، وجعل هذه الصورة خافية لا تدرك إلا له ، وتدرك للمقيدات بمنزلة السبيل كما قلناه ، فكان الفيض يمر عليها آتيا إلى الزوال ، والكامل يفيضه على ما يخلف من باقي المرآة التي انطبعت صورة اللّه فيها ، فلا يزال اللّه تعالى عالما يظهر بالمعلومات ، والسبيل المورى عنها بالواقف ممتلئة والكامل جاذب فياض ، فبواسطة هذا الفيض تميزت المقامات علويها من سفليّها ، وترتبت المنازل على سبيل المماثلة ، وظهرت الأسرار لقلوب أرباب الأحوال ، وأشرقت الأنوار على هذه القلوب أيضا ، وكان الظلام ، وهو ضد هذه الأنوار وحصل للفياض الذي هو العارف الاطلاع على ما فاض منه وتميز لطيفا وكثيفا وظاهرا وخافيا ، وحصل له أيضا بواسطة الاطلاع ، اطلاع على الحدود الفاصلة بين الحضرات التي هي الأسماء الأربعة المورى عنها بالأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، فكل هذه ميزت بواسطة العارف وفيضها بواسطة فيضه وظهورها بواسطة ظهوره ، فإن قيل : إن اللّه تعالى قادر على الظهور بالموجودات بغير واسطة مقابل ، قلنا : لا لأنه من حين أخذ في الظهور اتصف بالتقييد ، وإذا اتصف بالتقييد كان صورة مقيدة بها ينزل في الثلث الآخر من الليل ، ولابد للمظاهر من نور يميزها حتى يكون بمنزلة الأشباح بالنسبة إلى ذاته لئلا يكون حقائق خارجة عنها ، ولتبرأ عن الثنوية ، فلما اتصف بالتقييد أولا وظهر بالنور حتى تتميز فيه المظاهر ، فجعل النور بمنزلة المرآة حتى تكون المظاهر فيها أشباحا ، كما قلنا ، وكان هو ولا شيء فأول متميز في المرآة التي هو النور صورته المقيدة على سبيل الانطباع ، وكان المنطبع هو صورة العارف بمراد اللّه تعالى ، فكانت المقيدات ظاهرة بواسطته ، ولينظر الناظر من أين يدخل الاعتراض على هذا الحكم .
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 269 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية