تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
وباستدارة الوجود كلما مرّ على هذا القلب الواسع لا يعود إليه أي إلى الظاهر منه ، وإنما اقتصر على هذا العدد المذكور في كل يوم ليتأسى بالحديث ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن للّه تعالى سبعين حجابا من نور » وهي بعينها تمر على قلب العارف ، فلكل حجاب ألف سر ، ولهذا كلما يرد على قلب العارف من الموارد يكون نورانيا ، فلما كان هذا القلب قد وسع الوجود الذي لا يتناهى ، وهو شبيه بالدائرة كما قلناه ، كانت الأسرار التي ترد عليه في اليوم غير الأسرار التي ترد عليه في غد ، وإنما قلنا : إنه دائرة لأنه يفيض منه وعليه ولا يدخل عليه شيء من خارج لأنه لا خارج فيه فهو يفيض من محل ويتلقى بمحل قابل ، فيجذب بما يقضي الجذب ، ويعطي بما يقتضي العطاء ، ولهذا جعلها من أسرار الجلال « 1 » لأن الجذب والعطاء مفتقر إليه وبحقيقته يظهر القبول إذ هو الجمال بزيادة تمكين ، فمجموع الأسرار المذكورة في كل مظهر تظهر مفاضا عن الأولية ، ومن حيث كون العارف حاكما عن الأولية حكم الاستيداع إذا انتقل عنه هذا المظهر إلى الظاهر يعود إليه ، ومن حيث كونه حاكما على الظاهر من أجل الإحاطة ، فإذا انتقل عنه المظهر إلى الباطن لا يعود إليه ، ومن حيث حكمه على الباطن لأجل الخفاء إذا انتقل عنه المظهر إلى الآخر لا يعود إليه إذ لو عاد تحققت الرجعة ، وقد قررنا محالها في ضمن ما سلف من هذا الشرح ، وهذا الشهود مما يحصل له قبل الكمال يلحظ ذلك من قوله : ( اعلم ) . فقوله : ( لا يعودون إليه ) تأييد لعدم الرجعة ، فإن الدور إلى خلاف محال إذ لو تحقق لنقص الوجود والوجود من حيث فناؤه في ذات اللّه كامل ، فلا يطرأ عليه النقص . وقوله : ( لو انكشف سر منها لمن هو في غير ذلك المقام أحرقه ) . يشير به إلى خصوص العارف بهذه الأسرار ، فإنها ليست أحوالا ولا مقامات ، وإن كان مرورها في محل مماثل للمقام ، فقد جعل القلب بمنزلة المقام لمرور الأسرار به ، وإن لم يكن القلب في مقام ، فكأنه يقول : لو انكشف سر من هذه الأسرار أي : لو مرّ على قلب غير هذا الواسع لأحرقه إذ هذه الأسرار كلها مختصة بالعارف ، وهي من شروط كماله إذ شيمته السعة ولابد من ملئها . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : لولاك ما ظهر كان ثم ظلام ، ولا كان اطلاع ، ولا حد ، ولا ظاهر ، ولا باطن ، ولا أول ، ولا آخر ) ] . ( ش ) أقول : مراده بهذا التنازل إظهار حقيقة المقابلة ، وهي صورة الكمال وإحكامها
هامش
( 1 ) الجلال : نعوت القهر من الحضرة الإلهية .