تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
استعلاء ، فلا يعود آخذا في الهبوط ليطأ المقام الأول ، فإذا صدق عليه الكمال لا يعود إلى النقص ولا يلج في المقامات السفلية التي كان قطعها ، وهي محفوظة عنده معلومة له وهو محيط بها ، ولهذا قال له : ( لا تزول عن نفسك ) لأن نفسه الحافظة للمقامات هي منزلة المدبّر ، فمتى أخل بشيء مما أحاط به كان التدبير ناقصا ، والعارف بعد كماله مفتقر إلى التدبير لكونه متكفلا بالوجود كالخلافة وما أشبهها من المماثلة إلى غير ذلك ، ولهذا قال : ( ولا يتعدى قدرك ) ، فقدره هاهنا تحقيق المماثلة إذ الخليفة مماثل للمستخلف ، هذا في الظاهر ، وأما في الحقيقة فلأنه مخلوق على الصورة والناظر مماثل للمنظور صورة ومعنى ، أما للصورة ومن حيث نظر اللّه ذاته في المرآة حتى انطبعت صورة الخليفة فيها ، وأما المعنى فحقيقة الاقتسام وكيفيته ، فإن المخلوق على الصورة مقتسم بنصف الوجود لأجل مماثلة الصورة ، وأي قدر أعظم من المماثلة وأجلّ وأعلى ، وقلما يظهر العارف إلى المقيدات إلا بهذه الصورة ، وإذا لفظ كان نطقه بلسان الخلافة وحقيقته تظهر في صمته وعرائه عن الصورة ، فهناك يعني أحد المتماثلين ويتصف العارف بأوصاف الذات كلها ، فقدره ما دام مقيدا هو حقيقة المماثلة ، ولهذا قيل : لا يتعداه أي ما دمت مقيدا والمماثلة لا تكون إلا في التقييد . ( ص ) [ قوله : ( ولو قدّرت قدرك لانتهيت ، وأنت لا تتناهى ، فكيف تقدّر قدرك فإذا عجزت ويحق لك العجز أن تقدّر قدرك فتأدّب ولا تطلب قدري ، فإنك لن تدركه ، وأنت أكرم موجود في علمي ) ] . ( ش ) أقول : يريد به عدم الحصر والضيق والإحاطة التي تحصر الأشياء لأنه ما دام متجزئا لا يحصر إطلاقه ، وفي إطلاقه سعة قدره بل حقيقته ، والإطلاق لا تنتهي ذات المتصف به ، وإدراكه ، ولا يحاط به حصرا ولا علما ، لكن إحاطة الكامل به اتصاف طبيعي وإدراك غير منحصر ولا محدود ، فمن أجل عدم الحصر فيه سمي إطلاقا ، فهذه حقيقة قدره التي لا يقدّرها لأنه في صفاته لا يتناهى ، وأما قدره من حيث كونه متجزئا لا خصوص فيه ، لكنه عام لأجل مماثلة الخلق ، فليس له في حال المماثلة قدر يختص به ، وإنما قدره بالحقيقة ما ذكرناه مما لا يقدر المقيد على معرفته ، فلو أمكنه معرفة قدر المختص به لكانت حقيقته محصورة وكل محصور متناهي ، والعارف في حقيقته لا ينحصر ، فوجب أن لا يتناهى ، فلو عرف قدره ، وهو مقيد كان القدر محصورا وهو حقيقة إطلاقه ، فلا يقدر عليه لئلا يحصره .