تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
وأضاف ما حصل له بعد الكمال إلى ما حصل له قبله إضافة امتزاج وترتيب ألا تراه في كل مشهد كيف يختم بأول الآخر هذا مع ترتيب المطالع في أول كل مشهد فهذه كلها دلائل على اختيار الترتيب والإضافة ، ونحن نعلم مقصوده بهذا ما هو ، دون غيرنا من الناظرين في هذا الكتاب والمدّعين له افتراء ، فهذا الخطاب هاهنا ، وهو قوله : ( في أسرع من لمح البصر ترتقي مقامات لم ترها ) مما حصل له قبل الكمال ، ولولا خوف التطويل الذي يعرى عن الفائدة ، لكنا نميز في هذا الشرح بين ما شهده أولا وثانيا في محاله اللائقة به تمييز قدرة ومعرفة وضع ، ويستدل عليها بدلائل مقصودة لصاحب الكتاب بحيث لا يمتري في ذلك ذو عقل ، لكن الاختصار على بيان المقصود أوجب الصفح عن مثل هذا إلى وقت الحاجة ، فمن ادعى الكمال عرف ضرورة إن كان صادقا ما أشرنا إليه وظهر له ما شهده الشيخ من هذه المشاهد قبل كماله وبعده وجب عليه أن يظهر ذلك كما تيسر لنا إظهار بعض ذلك ، وليس يكتفي في الكمال بالشهود والاطلاع ولا يقول : قال لي ، وقلت له ، بل ليس هو من شروط الكمال ، وإن ظهر على لسان الكامل ، ومن هاهنا يحكم لصاحب المشاهد الذي اقتصر عليها فقط بالنقص لصاحب المواقف وغيره من الشاهدين أولى بالخطاب ، فإن شروط الكمال مفهومة لها محصورة عندنا بدلائل وبراهين تظهر في حال نزاع المفترين المدعين للمقابلة ، ونعود من وراء التطويل إلى شرح المقصود ، فالمقامات لم يرها العارف قبل كماله التي هي أضلال الحضرات المذكورة ، وهي غيب بالنسبة إلى ظهوره ، ففي آن واحد يلج فيها ولوج جري ، وشهود وتحقيق ، وفي آن آخر يفنى ويفني ما ولج فيه من الحضرات الموري عنها بالأظلال ، وكذلك عند تمام غاية الكمال فإنه في آن واحد يتصف بمجموع الأسماء والصفات والبقاء الناشئ من الأزل متسرمدا إلى حين اتحاده بالأبد ، فمن هاهنا لا ينسب إلى العارف مقام ، لكن من الجهل هاهنا قد قطع العارف مقامات ومحالا وحدودا كثيرة ، ومن هاهنا قال : الإمام العارف الكامل أبو يزيد رحمه اللّه : ( خضت بحرا ، وقف الأنبياء على ساحله ) فانظر إلى قوله : خضت ماضيا ولم يقل : أنا خائض حالا ومستقبلا فهذه كلها دلائل على أن العارف بعد كماله قد قطع المقامات بأسرها وأفناها ، فلا مقام له الآن ، وإنما ورد الخطاب إلى هذا الشاهد ، وذكر فيه المقامات لأنه مما ورد قبل الكمال كما ذكرناه . قوله : ( ولا يعود إليها ، ولا تزول عن نفسك ، ولا تتعدى قدرك ) يريد به معنى ضروريا لازما للكمال المنتظر البائن للمقام ، لأنه إذا قطع مقاما وولج في الآخر ولوج
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 265 | أحمد فريد المزيدي / ست العجم بنت النفيس البغدادية