بل بحقيقة ذاته ففني العارف في هذا الآن المقرون بهذا التجلي ، واتصف بمجموع الأسماء والصفات ، ولم يبق له اتصاف آخر بعد هذا الفناء ليتجلى اللّه له مرة ثانية من هذا الاسم ، وإن كان التجلي والشهود له دائما ، فإنه من الأسماء الباقية ، والصفات وأسماء اللّه وصفاته لا تتناهى ، وإنما كان التجلي المعني من اسم اللّه لأنه اسم جامع إذا ظهر استهلك حقائق الأسماء والصفات والاستهلاك هاهنا بمنزلة الأكمان حتى تظهر حقيقته ويسمى جامعا .
وقوله : ( دم ما دامت ديمومتي ) يريد بدوام الشاهد هاهنا بقاؤه في الفناء ، ودوام الديمومة هو بقاء المقيدات الصادق عليها الفناء مع اللّه لأن الديمومة هو زمان اللّه بمعية الوجود ، فإذا أفنى الوجود كانت الديمومة دائمة أي متصفة بالبقاء ، فلما فني هذا الشاهد فناء حقيقيا ، صار دائما بدوام الديمومة المذكورة بالأمر حتى تحقق على نفسه العبودية ، لأنها تلزم الكامل التزاما كما تلزمه الربوبية .
وقوله : ( لا ترى إلا نفسك في كل مقام ) يريد به تأييد ما ذكرناه من الاتصاف بالأسماء والصفات والمقامات والمحال والحدود والإحاطة التي لا مقام فوقها ، فالمقامات هاهنا ليست هي المقامات المذكورة بلسان الصوفية ، لأن العارف من حيث كماله لا مقام له ولا حال ، بل الأحوال والمقامات المعهودة تضاده مضادة كلية ، وإنما المقامات التي أشرنا إليها هي الحضرات الأربعة المورى عنها بالأسماء وهي الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، وحدودها التي تفصل بين أسمائها ، فهذه تسمى مقامات عند حلول العارف بها وحلوله فيها حلول محلول هذا في حال تقييده ، وأما حال إطلاقه فلا اسم ، ولا حضرة ، ولا مقام ، ولا حد ، فإذا تقيد وتميزت هذه الأسماء المذكورة كان محمولا عليها متفردا بالحمل محيطا بمجموعها ، ولهذا قال له : ( لا ترى فيها إلا نفسك ) فتمييز الأسماء في حال تقييده الذي أفضى به إلى حمله كانت له بمنزلة الأسماء كامنة في ذاته غير ظهوره .
وقوله : ( وفي أسرع من لمح البصر ترتقي مقامات لم ترها قط ) يريد به كيفية الخروج من الظهور إلى الخفاء ، وليس هو من التقييد إلى الإطلاق ، لكنه من الأشياء إلى أظلالها الخافية من الظاهر إلى الباطن ، ومن الأولية إلى العلم أو من الآخرية إلى الحد الذي هو البرزخ ، فهذه مقامات لم يرها الشاهد قبل دخوله في حكم الشهود لما كان في حكم الجاهلين ، فإن هذا الخطاب من الشهود الذي لا يدل على الكمال لكنه يدل على الشهود الصوري فقط ، بل الشهود كله المذكور فيه قال لي وقلت له ، مما يدل على الكمال ، لكن هذا الشاهد رحمه اللّه تعالى قد حصل له شيء من هذه المشاهد قبل كماله وشيء بعد
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 264
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٦٤