في مجموع التراب ، فالأسرار كلها كامنة في ذات الشاهد بشهادة قوله : ( أودعته فيك ) فإذا انفرد الشاهد دون المشهود وقام في صورة كان المشهود له بمنزلة الفاعل للكمون المعبّر عنه بالإيداع ، فإذا فني أحدهما بقي الآخر ظاهرا بالأسرار المذكورة متصفا بها وإلا في حال كونه صورة لا يطيق حمل واحد منها ، ومتى ظهر له أحرقه أي : أفناه في ذات المشهود .
( ص ) [ قوله : ( فكيف ما هو مني ، أو متصف به ذاتي ، دم ما دامت ديمومتي لا ترى إلا نفسك في كل مقام ، وفي أسرع من لمح البصر ترتقي مقامات لم ترها قط ولا تعود إليها ، ولا يزول عن نفسك ولا تتعدى قدرك ولو قدّرك لانتهيت ) ] .
( ش ) أقول : يريد بهذا الخطاب إظهار حقائق صفات الذات المختصة بها ، وهي ثلاثة : الهوية ، والأحدية ، والإطلاق فهذه صفات حقيقية تختص بالذات ، ولا يكشف منها للشاهد شيء ما دام شاهدا أو مشهودا ولا يشهد عيانا ولا نظرا عقليا ، لكن يتصف الكامل بها اتصافا لا عيانا ، ولهذا لا يشهد حقائقها متباينة عنه من أجل اتصافه بها ، فكيف إذا حضر الشاهد والمشهود في مقام واحد ، فتكون هذه الصفات بالنسبة إلى هذا الحضور المقيد في غاية الخفاء ، وربما التحق خفاؤها بالعدم ، فالشاهد الممتاز في شهوده عن المشهود قد أبان له المشهود أنه لا يطيق حمل سر الهوية المورى عنه بتوحيد الألوهية ، وهو أقرب صفات الذات إلى التقييد والشاهد مقيد ، فلو كانت المقيدات تطيق حمل هذا السر الذي هو سر التوحيد لأمكن لها إطاقة حمل الأسرار الباقية المختصة بالذات ، فكيف يطيق المقيد حمل أسرار المطلق كلا هذا محال ما دام في التقييد أو متصفا به ، أو مائلا إليه ، أو واقفا في الحد الفاصل بين الإطلاق والتقييد إلا أن يفنى تقييده وينزع من هذه المحال المذكورة ، ويفنى في ذات المطلق المتضمنة بالصفات الثلاثة ، فإذا وصل إلى هذا المقام عاد متصفا بها من حين فنائه فيها أعني الذات ، فلا يمكنه من هاهنا شهود الصفات المذكورة متباينة عنه ، لأنها تعود له بمنزلة الأسماء والصفات وما أشبهها ، فلهذا قال له :
( فكيف ما هو مني أو متصف به ذاتي ) والإشارة هاهنا إلى الاتصاف المذكور عند فناء العارف ، فإذا ظهر له سر من الأسرار الكامنة في ذاته يكون قد تقيد وانتفى عنه الإطلاق ، وهذا معنى قوله في الفصل السابق : ( لما أطقت حمله ولاحترقت ) فهذه الأسرار المتصفة ذاته لا ينفرد عنها ليشهدها الشاهد متباينة ولهذا لا تظهر له ، ولهذا قال رحمه اللّه في بعض كتبه : إن اللّه لا يتجلى لأحد مرتين فإنه آن فناء العارف تجلى بمجموع الصفات والأسماء ،
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 263
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٦٣