من أجل شاهد ومشهود ، فهو يدركهما إدراكا متجزئا ، ولا يشهدهما عيانا فهما خافيتان عن بصره ، والطوالع المتوالية ظاهرة لعينه فهي التي اطلع عليها وهاتان الحضرتان هما الخافيتان عنه في هذا الشهود ، وهما أعني الحضرتين ومحله الذي هو فيه ، ومحل الفيض الذي هو المطلع عبارة عن مجموع الوجود المعبّر عنه بالغيب والشهادة ولهذا قيل له : كل ما اطلعت ، وما غاب عنك .
قوله : ( ويرد عليك ) يريد به الموارد القلبية في الباطن والموارد الفيضية عليه اضطرارا لأن محله هاهنا هو الحد ، والموارد لا تتجاوز الحد في الورود عليه ، وأما الموارد القلبية التي هي العبارة ، فمن حيث هو متصف بعلم الغيب والشهادة ، ولكل علم فيض فللغيب فيض خاف وهي العبارة الموري عنها بالفيض القلبي ، وللشهادة فيض وهو المطّلع عليه في حال وقفته فكأنه قال له : كلما أشهدته من الفيض الظاهر وما خفي عنك من الحضرات ، وما يرد عليك من العبارة فهو لك .
وقوله : ( من أجلك وفيك ) معناه أن المظاهر والشؤون يظهر من الفاعل لها لأجل الإنسان الكامل الذي هو على الصورة حتى يقع الاعتبار له منه لها ، ومحل فيض هذه المظاهر والشؤون هو قلب الإنسان المذكور ، وهذا معنى قوله : ( وفيك ) .
وقوله : ( ولو كشفت لك عن أدنى سر من أسرار سر توحيد الألوهية الذي أودعته فيك ) يريد به كمون المعاني جمعية الوجود فيه وهو أدنى سر من أسرار توحيد الألوهية المذكور لأنه هو الجمعية ، وهو أقرب الأسرار إلى الفهوم ، وتوحيد الألوهية هو أحد الوجود وأسراره مختلفة كثيرة العدد وشؤونه مؤتلفة أحدية المظهر ، وكل هذه أسرار لا يطاق حملها ولا يقرب إلى المفهوم سوى الجمعية المذكورة ، فإن سرها محتمل الفهوم على سبيل المجاز ، ومجموع الأسرار لا يحمله إلا المتصف بها في حال تفرده بالوحدانية ، وبقائه في الظلمة وإدراكه الخافي ، وعدم الشاهد والمشهود بل التقييد كله ، فإذا انفرد في صورة انتفت عنه الأوصاف المذكورة ، وعاد لا يطيق حمل سر من الأسرار المذكورة ، وهذا الشاهد في حال قيامه في الصورة اتصف بهذه الصفة ، وانتفت عنه الأوصاف المذكورة ، ولهذا قيل له : ( لما أطقت حمله ) لأنه في صورة تعرف يشاهده ولهذا وصف المشهود نفسه بالفاعل في قوله : ( لو كشفت لك ) .
وقوله : ( ولاحترقت ) معناه أنني لو كشفت لك السر المذكور لأفنيت بكشفه صورتك إلى حين محوها ، لأن الاحتراق عبارة عن محو الصورة إلى حين جعلها تربة فانية
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 262
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٦٢