( ص ) [ قوله : ( وطلعت القوة وشهد لها الإقبال ، وطلعت الرعدة وشهدت لها العبادة ، وطلع إدراك الصديقية ) ] .
( ش ) أقول : مراده بالقوة ظهور صفة إصدار ما يقهر الأشياء قهرا طبيعيا على سبيل الانطباع ، لأن محال الانطباع بالمرصاد ليلقي ما يفاض عليها على تقدير الانطباع وأن لا حاجز بينها وبين الفيض فهي تجذب المنطبع فيها بقوة ، بل تكون القوة واسطة بينها وبين المظاهر المتميزة فهي تجذبها بالواسطة المذكورة ، وكذلك المظاهر تنطبع بقوة فيكون إصدار هذه القوة طبيعيا ، ولهذا ما ينتج عنها يكون أيضا طبيعيا ، فهو اسم سابق على القهر أعني القوة ، فلما تمكنت ظهر القهّار ، فالقوة تعطي المتجزئات صلابة وشدة وتفريقا في المعنى وأخذا وعطاء أو لهذا كان الفيض مستديرا لأن القوة في المتجزئات تقتضي الالتزام ، وهي ضد الضعف واللين ، وقلّما يظهر بصورة حقيقية القوى .
وقوله : ( وشهد لها الإقبال ) يريد بالإقبال صورة الجذب وقد قلنا : إنه بواسطة القوة ظهر ، فاضطرارا يشهد هذا الجذب الموري عنه بالإقبال للقوة التي هي واسطة له في الظهور .
وقوله : ( وطلعت الرعدة وشهدت لها العبادة ) أقول : مراده بالرعدة ظهور صفة الخوف متمكنة مقرونة بالحياة ، لأن الخوف من صفات الأحياء ، ولهذا ما ليس بحي لا يصدق عليه هذا الخوف في الظاهر فهو من صفات العباد الأحياء على سبيل الشرطية لكنها قد تظهر على قوم دون قوم بصورة ما عبرّ عنها من الرعدة إما لحال ، وإما لتحقيق العبودية بغير حال ، وإما لضعف قلبي لأجل تيقن البعد والقرب وعدم العصمة وكل هذه محال غير متمكنة ، وأمكن محل لها هو الخائف فهي تظهر فيه ظهورا حقيقيا ؛ لأن الخائفين هم المستقلون بهذا المظهر دون بني جنسهم ، فاضطرارا تظهر عليهم هذه الصفة ، فإن تزيدت آلت زيادتها إلى زوال العقل والحركة المعهودة والمعيشة المرادة بتقويم الظاهر ، فظهور هذه الصفة على هذا الحامل يكون غير مقترن بصفة أخرى ، وقلّما يظهر الحامل المراد للحمل بصفتين كالإنسان يعبّر عنه بالحيوانية والنطق ، فهذا الحامل الزائل العقل الظاهر بحقيقة الرعدة يكون مثل الإنسان العديم للنطق ، فهذه عوارض تعرض على الإنسان لتظهر حقيقة المعاني كالرعدة ، وما أشبهها وموجبها الخوف .
قوله : ( وشهدت لها العبادة ) يريد بالعبادة إعطاء الربوبية حقها طبعا وتسليما لتمكن الألوهية ، فإن الإله هو الرب المعبود متمكنا بالتسليم والرعدة المذكورة حال يظهر على العابد بشرط الخوف المذكور ، فشهود العبادة للرعدة شهود نسبة لا شهود ضرورة ، لأننا قلنا : إن الرعدة موجبها الخوف والخوف ناشئ عن حقيقة العبودية ، فإذا صار العبد عابدا
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 259
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٥٩