قوله : ( وطلعت الحروف وشهدت لها الاعتبارات ) أقول : مراده بالحروف تجسيد المعاني اللطيفة « 2 » لأنها من حين تتميز في العلم يصدق عليها التجسد على اختلاف صورها وكبرها وصغرها ، فالوجود كله على هذا النمط بل المعلومات كلها ، فإذا صدق وجود هذا الحكم تسمى الحروف منه تجسد المعاني ومعانيها الدالة عليها لطائفها ، ويحكم على أسمائها بتفريق المعاني المميزة ، فما تباين منها فالألف يجمعه بأحديته ، وما اجتمع منها فاختلافها بفرقة إلى ما تدل عليه من المعاني في الناشئة من محلها التي نشأت عنه أولا ، ولهذا لا يخالف المعنى في الحقيقة ، وإن اختلف في الظاهر كان على قدر العبارات المختلفة ، وموجب اختلاف العبارات هو اختلاف صور الحروف والمعنى واحد ، ولهذا وجد فيها أحرف متشابهة ، فما تشابه منها في الصورة يكون قد انتقش للواضع لها أولا الحرف وظله ، فجعل الأظلال حروفا مماثلة لظلها الصوري وموجب هذا السبق واللحوق والتقديم والتأخر ، فإنه أول ما ظهر من الحروف الألف قبل ظهور الماء إلى الوجود الظاهر ، ثم إنه لبث في الظهور ألف سنة معنى وزمانا أما المعنى فالزمان الذي ظهر فيه هو مأخوذ من زمان اللّه الذي كان فيه ولا شيء فلما ظهر هذا الألف في هذا الزمان المذكور دل على حقيقة اللّه والعماء الذي كان فيه وسعة الإحاطة ، وكيفية الإطلاق وصورة الأحدية ، فهذه كلها معان يجمعها معنى واحد يتلفظ به في استحضار الألف ، وأما الزمان فهو المدة المحصورة التي كملت صورة الألف فيها مثل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام والقدرة بخلاف ذلك فلما كملت صورة الألف في زمان محدد مباين للأزمان السابقة واللاحقة وكان محل نشأته في الحد بين الإطلاق والتقييد ، فجعل الحد صورة حصر ومكانه دالا على زمانه والزمان عبارة عن مقيد محصور ، فكانت نشأته أعني الألف مع اصطحاب اسمه دالة على زمانه وصورته دالة على معناه ، فحصرت له هذه المدة لأجل جمعيته للمعاني كلها مماثلة ومختلفة ، فكان مقدار هذا الحصر ألف سنة كما قلناه ، ثم إنه ظهر اللّه تعالى بالحرف التالي للألف في الحد الفاصل بين الأولية والظاهر وجعله مخالفا لصورة الألف لأجل استعلائه وجمعيته للأشياء وإحاطته بها ، وكان ظهور هذا الحرف الثاني فيضا عن الألف ، ثم إنه استمر الفيض عن الألف فما تشابه من الحروف
هامش
( 2 ) اللطيفة : كل إشارة دقيقة المعنى تلوح للفهم لا تسعها العبارة ، وهي علوم الأذواق ، والأحوال للأفهام الثاقبة ، المتأيدة بالأشراف الغيبية ، ولا تنتهي إلى حد يضبطها العدل به ، فيؤديها الناطقة بعبارة يفهم منها حقيقتها كما هي ، وقد يطلق بإزاء النفس التي جعل محل تدبير والآلات تحصيل معلوماتها المعنوية والحسية والمثالية .