تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
كان ظهوره في فيض واحد فكملت الحروف في الظهور إلا ثلاثة أحرف ، وكان هذا الكمال في مدة قطع الأسماء الحسنى عددا وما يختلف منها وهي الثلاثة أحرف ظهرت آخرا وهي الصاد غير العجمة والدال غير المعجمة والميم فكان ظهور هذه الحروف مكملا لمجموع الحروف صورة ومعنى وصار ظهورها دالا على اللّه لها بالاعتبارات مقرونة بهذا الكمال ولاختلاف صورها كانت الاعتبارات مختلفة ومع اختلافها كان اعتبار الألف يمازجها لأنه مع كل حرف بصورته ، فوجب أن يكون معناه أيضا بل مع كل متميز حرفا كان أو غير ذلك من المتميزات ، بل هو محيط بمجموع الوجود ، فإذا انفرد بذاته كان فيه مجموع الحروف ، وإذا انفردت الحروف كل واحد برأسه فليس فيه المجموع ، وإن كان الألف مخالطا لها فإن مخالطته صورية ، والصور من شروط التقييد والتقييد دليل على النقص ، فإذا كان ممازجا لآحاد الحروف تكون إحاطته وجمعيته ناقصتين لأنه هو وقرينه مقتسمان بالإحاطة فلكل واحد منهما من الجمعية نصفها ، فإذا انفرد بذاته كانت الجمعية كاملة فيه وله فهو في كل شيء منفرد على سبيل المعية وكل شيء فيه على سبيل الجمعية المائلة باسمها مع الأشياء إلى الفناء ، فإذا ظهرت الحروف بصورها متمايزة كان ظهورها مقرونا باستحضار الاعتبارات للشاهد ، ولهذا يظهر صورة ومعنى خصوصا إن كان الشاهد رضي اللّه عنه ، فإنه لا يخفى عنه من أمر الفيض شيء صورة ومعنى ولا سيما الحروف ، فإن صورها تدل على معانيها ضرورة على نشأتها وكميتها ويتفق أن يكون الشاهد قد أكمن الكمال في ذاته إما ظاهرا وإما خافيا ، فإن كان ظاهرا تلقاه بالاعتبار الظاهر على سبيل الاقتران ، وإن كان خافيا تلقاه بمرآة القلب المميز للمعلومات فتنتقش في هذه المرآة إلى حين ظهور الكمال عليه إما برجوعه من هذا الخلع ، وإما بظهور حقيقي ، فلما كان هذا الشاهد مطلعا على محل الطوالع المذكورة والأشياء كلها تتجسد له صورا حتى يشهدها كانت الحروف أيضا متجسدة له كالحال في الأشياء ، لكن الحروف دالة على معانيها وهو خصوص بها . قوله : ( وشهدت لها الاعتبارات ) يريد بالاعتبارات التدبر والارتباط مقرونا بمعانيها فتظهر بظهور هذه المعاني ، وتصير الدلائل شاهدة على الصور الحرفية ، وهذه شهادة ضرورية لأنه أقرب من المعنى إلى الأشياء الواردة التي هي بمنزلة الدلائل على هذه المعاني ، فالاعتبارات التي تظهر بواسطة التدبير تشهد الدلائل التي هي الصور ، وإن كانت الصور سابقة عليها ، لكن الاعتبارات من حيث كمونها في ذات الشاهد تكون للدلائل التي هي الحروف كالأعلام المعرّفة ، فلو لا أننا نعرف المعاني ونحصرها لما كنا عرفنا الصور التي هي الدلائل في حال ظهورها ، فإذا صدق هذا الحكم على العارف يعود مظاهر الموارد لتشهدها المعاني الكامنة في ذاته .