بها وهو ناطق ، كانت الصفة في حال انفرادها ناطقة بلسان المتصف بها في حال فنائه ، لأنه إذا شوهدت هذه الصفة ناطقة يكون الشاهد لها صامتا شهدها وهو ناطق كانت هي صامتة لأنها من حيث حقيقتها ليس فيها ثنوية يقتضي مخاطب ومخاطب ، فإذا حصل النطق بينها أو بين المتصف بها يكون ذلك نطقا طبيعيا من غير خطاب ، فهذا الشاهد قد شهد هذه الصفة ، وهو صامت ، وحقيقة نطقه فانية في صمته ، ثم إن حقيقة هذا الصمت انفردت عنه متباينة في الصفة المذكورة ، فلما شهدها رآها ناطقة بلسانه الطبيعي فووري عن حقيقتها بالليل وعن صفتها بالنطق ، قوله : ( وشهد له البهت ) مراده ( بالبهت ) حقيقة صمته لأنه إذا اتصف الشاهد بالبهت يكون في حال هذا الاتصاف صامتا ، فاضطرارا يشهد صمته لهذا الليل المذكور الذي قد سلب عنه نطقه ، وأيضا فإن حقيقة هذه الظلمة صامتة لأجل براءتها عن الثنوية ولهذا اتصف الشاهد فيها في حال فنائه برئ عن النطق والنظر والسمع والبصر ، ويبقى حقيقته إدراكا فقط ويدوم في هذا الشهود باهتا إلى حين رجوعه من هذا الخلع الذي ليس هو في الحقيقة رجوعا فناؤه الذي ينشأ عنه البهت ، الذي شهد لهذا الليل بالطلوع إذ هو صفته .
( ص ) [ قوله : ( وطلعت العبودية وشهد لها الوقوف ، وطلعت الحروف وشهدت لها الاعتبارات ) ] .
( ش ) أقول : مراده بحقيقة العبودية حقيقة الحكم عن الوجود ، فلما ثبت هذا الحكم صارت الموجودات مبهوتة ، فالحاكم رب والمحكوم عليه عبد ، وصورة الحكم عبودية وهو ذلة وخوف كما قلناه في شرح العهد ، فكأنه قد ظهرت له الذلة والخوف في صورة جسمانية مفاضة فووري عنها بالطلوع لأنها واردة من محل الفيض .
قوله : ( وشهد لها الوقوف ) يريد به صورة الإصغاء في آن العهد لأن السمع يفتقر إلى آن حتى يتنفس فيه ما يفاض عليه من الخطاب الرباني ، فهذا الآن يسمى آن وقوف ، والأسماع فيه متلقية قابلة للموري اللائق بالوقفة « 1 » فالعبودية هي صورة الحكم والوقفة هي صورة تلقي السماع سيما وقد حصل معه شهود عياني ، والناظر لابد له من وقفة حتى يأخذ من المنظور نصيب بصره فشهود الوقفة للربوبية مناسبة حقيقة .
هامش
( 1 ) الوقفة : الحبس بين المقامين ، وذلك لعدم استيفاء حقوق المقام الذي خرج عنه وعدم استحقاق دخوله في المقام العلي ، فكأنه في التجارب بينهما .