فقال في جواب من سأل عن حقيقة العارف : هو من سمع قول اللّه تعالى في الأزل ألست بربكم ؟ وقال : بلى ، قيل له : يا أبا محمد فأنت تعرف ذلك ؟ قال : نعم أعرف ذلك وأعرف من كان عن شمالي ، فكل عبد مراد للكمال لابد له من الوقوف في هذا الموقف مرة ثانية حتى تتحقق له الأوصاف المذكورة ، وأنا جملة من وقف فيه وشهد الأوصاف المذكورة ، وهذا الشاهد رحمه اللّه قد ظهر له هذا المحل في صورة ولا يبعد أنه وقف عليه قبل هذا الطالع وقوفا ثانيا ، وقلّما يظهر هذا المحل إلا في صورة العهد لأنه منه نشأ ، ومن نفوذ الحكم أتى جثمانه ، ومن نفوذ العهد في الأسماع كان سرعة جريه ، فكل طالع يطلع وكل فيض يفاض ، بل كل شيء يتراءى يتقدم عليه هذا المحل المذكور ، إما في صورة طالع وإما صورة مكان ، وهذا الشاهد رحمه اللّه قد ظهر له في صورة مكان ظاهر بفعله هو العهد المذكور .
وقوله : ( وشهد له الأدب ) يريد بالأدب صفة الناطق المكمن في ذاته ، لأن العارف من حين يصدق عليه الكمال ينتفي عنه حكم الرب حتى لا يكون مربوبا ، لأن المربوب محكوم عليه ومستعل ، وهذا الكامل قد تفرد بالفناء الذي أفضى به إلى الاتصاف بالأسماء والصفات ، حتى أنه يقال فيه : إنه اسم اللّه الأعظم في الوجود ، هذا إذا كان صفة ، وأما إذا كان موصوفا كان مسمى ، فمن أجل تفرده لا ثاني يتخصص بالآنية عليه ، ومن حيث استعلاؤه لا أحد يستعلي عليه ، فيكون حاكما ومن أجل قيوميته ، قد حكم على الأسماء كلها عامة ، ومن حيث اتصافه بالحياة الدائمة الأزلية والأبدية قد صار ممدا للحياة لكل حي والمجموع حي ، فهو ممد الأشياء والفاعل لها ، فهذه صفات تباين العبودية ، والحامل لها أحدي الصفة ذاتي الشكل ظلماني الزمان ، وكل هذه أوصاف التفرد مكمنة في ذات الكامل ، فإذا تنازل حتى يصدق عليه التقييد يظهر بصفة الأدب ، ورأى أن العبودية في الوجود حقا لمن دونه إذ كان بمنزلة الفاعل والربوبية حق له ، إذ كان مخلوقا على الصورة وأيضا من أجل الاقتسام ، فإذا نطق بالعبودية كان ناطقا بألسن الموجودات ، ولسانه يوري عنه بصفة الأدب لأجل اتصافه بالتقييد في حال التنازل ، فلأجل ظهور هذه الصفة عليه اضطرارا أعني صفة الأدب شهدت لتحقيق العبودية التي هي العهد .
وقوله : ( وطلع الليل الناطق وشهد له البهت ) أقول : مراده بالليل الناطق بصفة المحو ، وهو العدم المنطوق به على ألسن العوام وتوريته عنها بالليل ، لأنها ظلمانية . وعبارته عنها بأنها ناطقة لأجل بقاء الإدراك وسريان الحياة ، ومن شروط الإنسان الحيوانية والنطق ، فلما كانت هذه الحياة سارية في هذه الصفة المورى عنها بالليل وكان الشاهد لها متصفا
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 255
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٥٥