قوله : ( وطلع النور وشهدت له الكمية ) أقول : مراده بطالع النور حقيقة التمييز ، والطلوع هو النور على الحقيقة ، فمن حين يظهر النور يتميز الوجود ويتمكن حصره في عين التحري ومنشأ هذا النور من إرادة الذات المطلقة ، فأول ما يميز هذا النور المعلومات في العلم ويكون ألطف مما هو عليه ، فإذا ظهر الفاعل به ازداد كثافة ، وتميزت به المعلومات أيضا ، وأطلق النور أيضا خصوصا إذا ظهر في صورة طالع فيكون نورا متميزا بنور ألطف منه ، فالنور الطالع هاهنا هو النور المميز في حضرة الظاهر ، وهو عندنا أكثف الأنوار ، والمتميزات به أكثف الأجسام .
وقوله : ( وشهدت له الكمية ) يريد بالكمية حقيقة الحصر التي هي محل مستند المتحريات ، لأن صفتها معنى النور ، ومرجع حكمها إلى الذات المطلقة الظاهرة بالنور المميز لها فكميته حد حضرة من الحضرات ، وهي التي ظهرت مفاضا إليها ، فكأنه قال ظهر النور ، وشهد له حد الإحاطة به ، وحد الإحاطة هي مقدار حضرة الظاهرة ، فإذا أفاض الفاعل إليها نورا لا يشهد له حضرة أخرى ، وإنما يشهد له محيطها أعني المفاض إليها ، فمحيطها كميتها ، فالنور الطالع هاهنا نور حضرة الظاهر ، ومحيطها هو الشاهد له وهي الكمية المذكورة شاهدة .
( ص ) [ قوله : ( وطلعت الوحدانية وشهد لها العدم ، وطلع الاختيار وشهد له العهد ، وطلع ما لديه وشهدت له المنازل ، وطلعت السكينة وشهد لها التمكين ) ] .
( ش ) أقول : مراده بالوحدانية ضد الثنوية وهي حقيقة التفرد بشرط شاهد ومشهود ، لأن الشاهد هاهنا بمنزلة الصفة والمشهود لمنزلة الموصوف بها ، فتكون الصفة تشهد موصوفها وعين شهودها أن لا ثاني متصفا بها ، فيحصل للموصوف التفرد بضد الثنوية ، ويحصل للصفة التفرد بهذا الشهود ، فكلا الصفة والموصوف متصفان بالتفرد ، وقد يكون هذا التفرد على ضربين : تفرد عموم ، وتفرد خصوص ، فتفرد العموم ، هو ضد الثنوية كما قلناه ، وتفرد الخصوص قد يكون فيه ثنوية وأحد الموصوفين متفردا بما ليس هو في الآخر ، وليس مراده هذا ، وإنما مراده تفرد العموم الذي هو ضد الثنوية ، ولهذا قال : ( وشهد لها العدم ) لأن الواحد المنفرد هاهنا ليس له ثان ، وليس لوجوده ضد سوى العدم وهو ممكن في ذاته [ إمكان « 1 » ] سعة واحتواء والشاهد على هذا قوله تعالى :
وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
[ طه : 98 ] ، والعدم يصير شيئا يتصوره على رأي الجاهل القائل به ، فإذا صار
هامش
( 1 ) صحفت في الأصل إلى أكمان ، والصواب ما أثبت كما في نسخة من الشرح .