تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
الظلمة وصورته باقية سميت هذه الظلمة تيها ، لأنه إذا استقر فيها لا يجد لذاته مخرجا ولا مستندا ، ولا نهاية ولا فروجا لمخرج ، فيظهر عليه الحيرة ، فلما كان هذا الشاهد متيقنا بالثنوية هاهنا شاهدا للفيض ، وظهرت له هذه الظلمة سماها تيها لو لوجه فيها مع بقاء صورته وهذه الظلمة الفناء الحقيقي تظهر للشاهد في كل مرة حتى تفنى الأشياء فناء جديدا ، وهذا الفناء ليس فناء ضروريا ، وإنما هو عارض ، فلأجل هذا يسمى تيها ؛ لأن الشاهد باقية صورته ، فلا تزداد فيه سوى الحيرة لكن لكماله السابق ينجو منها في آن ظهورها قوله : ( وشهدت له الماهية ) يريد بالماهية هاهنا معنى من معاني الذات وهي حقيقة التيه ، فإن الذات تظهر للشاهد بأوصاف مختصة بها ومجموع مظاهرها ظلمانية ، فالمظهر الذي يفنى فيه حقيقة الشاهد يسمى محوا ، والمظهر الذي يفنى فيه تمييزه ويبقى إدراكه متجزئا يسمى فناء صوريا والمظهر الذي يفنى فيه الأشياء له وتبقى صورته يسمى تيها ، فهذه مظاهر الذات بشروطها المذكورة ، فلما كان هذا الشاهد هاهنا في مقام الثنوية ظهرت له الذات بصفة التيه لتبقى صورته الشاهدة ، فكأنه قال : طلعت الظلمة المفنية وشهدت لها ذاتها . قوله : ( وطلع الحجاب وشهدت له اللمية ) أقول : مراده بالحجاب حد التجزؤ بشرط إرادة الكمال ؛ لأن التجزؤ على الإطلاق مفتقر إليه لأجل الكمال ، فلما كان ضروريا كان الحجاب حده ، لأن حده تفصيل الكثرة بعضها عن بعض ، فمتى حصل التمييز واليقين بالبعد والقرب ظهرت العزة متمكنة بالحجاب ، فلما تمكنت العزة كان تمكينها عين الحد المذكور وهو ضروري الظهور مفتقر إليه في كمال الذات ، لأنها آنا يتصف به وتمكن الحد المذكور إلى حيث تصير حجابا وآنا يتصف بالإطلاق فتمحو هذه الكثرة مع ما حصل من الحجب ، ويفنى النور المميز للمتجزئات ، فيعود الوجود ظلمانيا وهي حقيقته على الإطلاق . قوله : ( وشهدت له الكمية ) يريد بالكمية عليه الشهود وحقيقتها معنى الافتقار إلى الكمال وصورتها التكثر فكونها علة ضروري ، لأن الذات لا تفتقر إليها طبعا ، وينشأ عن هذا الافتقار من الأفعال الإرادة ، وينشأ عن الإرادة العلم ، ثم يظهر من العلم حقيقة النور ، فيميز حقائق المعلومات ، فيحصل التجزؤ المشارإليه بالحجاب ، ويظهر التيه عليه ، ومعناها حقيقة الافتقار ، وإنما شهدت الكمية للحجاب لأن الوجود ظاهر بصفة التكثر والحجب فيه متمكنة ، والمتجزئات فانية في حقائقها ، فمن حيث فناؤها يفحص عن هذا التكثر ويستكشف عن موجبه ، فموجبه الكمال وهو حقيقة الكمية .