مباينة هذين المقامين للموت فتيقن المنتقل في الآخرة دائما بلا شهود حدوث ولا غاية ولا نظر إلى محله الذي كان فيه ، بل تيقين الأكوان ظاهر ، فهذا قد بينا مباينة هذه الأمور بعضها البعض فلا يشهد لتحقيق البصيرة سوى الكشف وجعل هذا الشاهد للكشف شاهدا للبصيرة في غاية النسبة لأنه بواسطة الكشف حصلت البصيرة ، وبواسطة البصيرة حصل الاتصاف ، وبواسطة الاتصاف تمكنت المعرفة ، والكشف أصل هذه كلها وهو شاهد لها .
قوله : ( وطلع الدعاء ، وشهد له البعد ) أقول : مراده بالدعاء ظهور حقيقة الافتقار في عين معناه ، لأنه إذا حصل الافتقار لبعض المحصورات المسلمة المؤدية إلى الألوهية حقها يكون حقيقة الدعاء عين التسليم لكن الدعاء تسليم بصفة أخرى ، وهذه الصفة صورة جذب مراد لتكميل النقص الذي هو الافتقار فعين المألوه لا يجاب داعيا بل يسمع دعاءه ، لأنه يشترط في الدعاء التسليم والداعي بالضرورة يكون مثبتا للثنوية ، والثنوية تقتضي البعد والقرب ، وخصوصا إن كان الداعي منزها فيكون قاطعا بالبعد بشرط تسليم المذكور الذي به يتحقق الألوهية ، فقد يوجد عبد غير مألوه ولا يوجد مألوه إلا عبدا فالداعي المجاب بالضرورة يكون مألوها ، وغير المألوه قد لا يصدر عنه دعاء ، وإن دعا فإنه لا يجاب ، فحقيقة الدعاء صادرة من المألوه المنزه القاطع بالبعد وعدم المماثلة والعجز والذلة والقيام بأمر الأولية من الحمد والتنزيه ، وما أشبهه ، فإذا اتصف الداعي بهذه الأوصاف كلها ظهرت حقيقة الدعاء ظهور نشأة منه .
قوله : ( وشهد له البعد ) يريد به النسبة ، وهي ضرورية لأن من شروط الداعي التيقن بالبعد والتنزيه كما قلناه ، فعين يقينه هذا ينتج منه حقيقة البعد ، فاضطرارا يشهد الدعاء حال الافتقار والإجابة .
( ص ) [ قوله : ( وطلع الصفح وشهد له الذنب ، وطلع ما لا يكشف ، وشهدت له الولاية ، وطلع ما فوق العرش ، وشهدت له دلالة الحق ، وطلع ما فوق الرجوع ) ] .
( ش ) أقول : مراده إظهار حقيقة العفو ، وقد ظهرت هذه الحقيقة ظهور وارد ، ولهذا عبّر عنها بالطلوع لأن مجموع هذا المشهد قد ورد على هذا الشاهد ، وهو محمول على الحد الفاصل بين المطلع والظاهر ، فلهذا وري عن الموارد بالطوالع لأنها واردة عليه في صورة فيض ، والفيض يجسد المعاني آن كونها مفاضة ، ثم يلقيها الفيّاض في محلها القابل المفتقر أو الجاذب أو المعطي ، فمن حيث هي مجسمة في حال الفيض يجوز أن يعبر عنها
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية — صفحة 245
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٢٤٥